التصوّر الماروني للإله: الجنس غير العاطل!


لم أعرف قط معنى الإله قبل الموارنة. ففي بيتنا العلماني الذي لم يكترث يوماً للأعراف الدينيّة أو الفوارق الطائفيّة، كان ثمة مشكلة بيني وبين الله. مرض أحبّة؛ رحيل أصدقاء؛ نهاية أحلام – كلّ ذلك لم يكن لأحد غير الإله باستطاعته تحمّل وزر أثقاله التي لا تطاق.

 قبل أن أبلغ العشرين التقيته. إنه الأب وقتها، مطران اللاذقيّة الماروني اليوم، الصديق مسعود اليوسف. كان أكثر ما شدّني إلى القداس الماروني تلك التراتيل المليئة بالشجن، خاصة في الجمعة الحزينة، والتي ترجع إلى أصل سرياني. وكنت أكثر سعادة كشاب من أصل مسلم وأنا أقرأ في القدّاس نصوص الرسائل، قبل أن يقرأ مسعود نصوص الإنجيل. لم يكن ذلك غريباً. فمعظم جمهور الكنيسة في حمص كانوا من غير الموارنة. بل أذكر تماماً أنه حين ذهبنا في عيد السيّدة سيراً على الأقدام من حمص إلى الكفرون، كان معظم المشاركين من الروم الأرثوذكس، بل كان ثمة بعض المسلمين في تلك الرحلة الجميلة. في الكنيسة المارونيّة عرفت للمرّة معنى آخر لله، غير ذلك المتداول في السوق، والذي ينفّر ربما من كل ما هو إلهي. فقد طلب منّي مسعود ذات يوم أن أرافقه لشراء تابوت لامرأة ماتت في جوار حمص، قرب مفرق تدمر. رافقنا أيضاً بعض الفتيات من الكنيسة. في بيت المرأة المغرق في فقره، كان الاكتشاف المذهل: المرأة التي ماتت بالسرطان كانت تعمل قوادة، ولديها ولد معاق، من حمل غير شرعي. وضعها مسعود بيديه في التابوت، وأخذها بسيارته الخمريّة إلى قريتها غرب حمص. ودفنها هو ذاته؛ وظل مسئولاً عن ابنها المعاق حتى غادر حمص.

الأب الراحل أمبروسيوس حاج، الذي تعرّفت عليه حين كنت راهباً في الكسليك، هو أنموذج آخر لرجل الإله. في ديك المحدي قرب بكفيّا، كنّا معاً في سيارته التي سرقها أحد السوريين في زحلة. أوقفتنا إمرأة؛ وصاحت: يا أبونا، أولادي جائعون وما معي مصاري. سألني إن كنت أحمل نقوداً، أجبته بالنفي. احتار ماذا يفعل. أحضر " خرطوماً " رفيعاً، وأفرغ من سيارته " تنكة " بنزين؛ وباعها لأحد العابرين، وأعطى المرأة.

في مناسبة أخرى في ساحل علما، وكنّا نقيم قدّاساً لطلبة المدارس، جاءت راهبة يسوعيّة تصيح مذعورة، إن بين الطلبة بعض المسلمين. ثم طلبت من راعي المناسبة، الأب أمبروسيوس، أن يبعد المسلمين كي لا يتناولوا القربان الأقدس. وباطن الأمر المهذّب أن المسلمين كفّار، ليسوا مؤهليّن للمشاركة في الذبيحة الإلهيّة. نظر إليها الأب، وقال، إن المسلمين، كالمسيحيين إيمانيّاً، وأهون عليه أن يتناول ملحد القربان من أن يشعر تلاميذ صغار بأنه ثمة فوارق دينيّة بينهم. وتناول الجميع.

حين أرسل الأب أمبروسيوس إلى إسرائيل كراع للطائفة المارونيّة هناك، سألته حين عاد في زيارة، وهو ابن العائلة القوميّة السوريّة، عن رأيه باليهود؛ كانت إجابته الأبلغ، بأنه إذا أردت أن تقتل اليهودي، ما عليك إلا أن تحبّه. علة وجود اليهودي شعوره بكراهية الناس له؛ وحين تحبّه، تسحب منه علّة وجوده.

كان منهكاً من السرطان حين زرته قبل رحيله. قال لي بضحكته الشهيرة، لا تقس على المسلمين. إنهم طيبون. كتاباتك قاسية وهي بعيدة عن روح المارونيّة. ما يمكن أن نوصله للآخر عبر الحب أهم وأعظم مما نوصله إليه عبر إشعارنا له بالقساوة وربما الكراهية.

الأب الصديق الراحل – للأسف أيضاً – عفيف عسيران، انموذج رائع آخر للوجه الحقيقي لمار مارون. عفيف عسيران، ابن العائلة الشيعيّة العريقة، الذي لم يجد ذاته خارج المارونيّة، والذي وصل مارونيّاً إلى موقع كاهن، لم ينس أصله الإسلامي الشيعي، حين باع أراضيه واشترى عقارات كرّسها لخدمة الفقراء والمحتاجين، خاصة من الشيعة. حين عملت معه في إصلاح بعض محترفات الدعارة، في مقره في الفنار، كان ثمة فتاة شيعيّة مراهقة، أزعجتني بوقاحتها وتبريرها غير المقبول لأقدم مهنة في التاريخ. قلت للأب، في لحظة غضب وإرهاق، إنها مجرّد عاهرة. نظر الأب ضخم الجثّة بنوع من الألم في، وقال: هذه تعطي الناس جسدها؛ أنت ماذا تعطيهم؟ آراء نيتشه وهايدغر التي لا يفهمها غيرك؟ إذهب إلى دير القيامة في فاريّا وأقم عند الأب هليّط لأيام حتى تتطهر. لو كنّا في ظروفها يمكن أن نكون أسوأ منها.

كان المونسنيور خليل رستم مرشدي في دمشق. ورحل خليل رستم فجأة، ولم أحاول بعده دخول مطرانيّة الموارنة الدمشقيّة. قبل أن يرحل البانياسي العجوز، التقينا وكنا نناقش مسألة سفره إلى مصر لحضور مؤتمر لجمعيّة كاريتاس الخيريّة. كان رأينا أن صحته المتعبة جداً لا تحتمل السفر. وكان ردّه بأنه إذا عاد ببعض الدعم لفقراء الوطن، يكفيه هذا وإن ضحى بحياته. لكنه عاد جثّة هامدة.

الأب جوزف قزّي – ليعذرني على تعريف الناس باسمه – أو أبو موسى الحريري، هو أستاذي في الإسلاميّات الذي طالما اختلفت معه. هذا العلامة الذي يندر أن يأتي الزمان بمثله، هو الأكثر تواضعاً بين من التقيت من علماء: ولا أعتقد أنهم قلّة. أذكر أنه حين كان يحضّر ردّاً على كاتب سوري هاجمه بعنف؛ قلت له، وكنا في دير غسطا، سيدة نسبيه، الذي عشت فيه ردحاً من الزمان، أنت ترد على شخص تحرّش بك كي ترد عليه، ومن ثم يشتهر. وكان الكاتب ذاته قد هاجمني أيضاً في كتاب ضخم، ولم أصرف لحظة في غضب أو تضايق: طاقتنا العصبيّة أهم من أن تصرف في مشاعر دنيئة. رد صديقي الجميل، أنت على حق. وألغى نصّاً كان قد صرف فيه زمناً لا بأس فيه من البحث والقراءة والتنقيب.

لن أذكر ما أعرفه عن الأب الماروني بول سليمان أو الدكتور الماروني غسّان فنيانوس، اللذين يقاتلان في سبيل المحتاجين، بغض النظر عن أي انتماء لهذا المحتاج أو ذاك. ليس بيني وبين الاثنين تراكم ذاكرة. ولا أقول إن كل الموارنة قديسون أو ملائكة يعيشون بيننا في هذا العالم المادي غير المريح. فبين الموارنة من السياسيين والقتلة من الذين يخجل بهم التاريخ: لكن للأسف لا تذكر الكلمات غير الوجه القبيح؛ لا ترى غير النصف الفارغ من الكأس. مع أن النصف الآخر عسل وخمر معتق وعرق إلهي.