الطائفية والقرد والإنسان

كان أحد رجال الدين الكاثوليك يتضايق للغاية من فكرة النشوء والارتقاء التي طرحها دارون؛ لكن بعكس نيتشه الذي انتقد الفكرة أيضاً من منظور مختلف، كان مطراننا الفاضل يقول إنه يستغرب من ذلك الذي يصرّ على اعتبار أن جده قرد!؟ اليوم أقول لمطراننا الفاضل، إنه بعد أن رأينا ما رأينا من ثورة سوريا والشعب السوري العظيم، بعد أن رأينا ما رأينا من شي رؤوس ضباط سوريين والتهام قلب عسكري سوري واغتصاب رجال ونساء وأطفال من كافة الأماكن على أيدي أخوتنا في جبهة النصرة: أعتذر للغاية من القرود إذا اتهمهم أحدهم ذات يوم بأنهم كانوا أسلاف البشر! القرود أسمى وأرقى وأنبل وأشرف من أن يكونوا أسلاف هؤلاء القتلة.


نعم... الجنس البشري هو نوع خرج من نوعيات أخرى كانت سابقة عليه. يزعجكم الموضوع؟ العلم لا يهمهم الكذب المطمئن! يقرفكم الموضوع؟ المعرفة لا يهمها أن تجرح بالحقائق!الجنس البشري، وأوافق هنا نيتشه تماماً، ليس تطوراً وارتقاءً، بل نوعية زحطت عن نوعية كانت قبلها لأسباب جينية!! هل فُهمنا؟؟

إن من يرى ويسمع ويدوّن وقائع الحرب في سوريا يتأكد بالمطلق من أن ما نقوله ليس بعيداً عن الصحة. ما حصل في تلك لحرب البربرية تعافه أسوأ أنواع الحيوانات، وتمجه حتى الكائنات وحيدة الخلية، التي يفترض أنها أساس الحياة وأسها.

الطائفية وأصلنا الحيواني:

في حين تتعامل الكائنات الراقية بين بعضها على نحو فرداني، التعامل مع الأنواع الأدنى يأخذ الصبغة الجمعية. في الدول الراقية يُنظر إلى الفرد البشري كفرد بشري، لا كنوع؛ لكن في تلك الدول أيضاً يُنظر إلى الكائن الحيواني كنوع حيواني، لا كحيوان فرد. الكلب، على سبيل المثال، ينظر إليه كنوع حيواني لا ككلب مفرد له شخصية وهوية، إلا عند بعض المهووسين. وبسبب ذلك يتم التعامل مع النوع الحيواني كقطيع لا كأفراد ضمن قطيع. من هنا، فالقطعانية هي أبرز ما ورثناه عن أجدادنا الحيوانات؛ وكلما ارتفعت سوية الغرائزية، كلما اهتاجت أحاسيس القطعانية فينا؛ والعكس صحيح.

الدين والطائفة والملّة – نفرّق هنا بين كل تلك المصطلحات وبين المصطلح " إيمان " – هي أحد أشكال القطعانية التي أخذت تسمية أخرى؛ فالدين، بأدلته الظنية المتخيلة المعادية عموماً لكافة صنوف البحثية، ليس أكثر من غريزة قطيع ذات بعد ما ورائي بهدف تقويتها.

إن ما رأيناه في سوريا في السنتين الأخيرتين، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدين أسوأ أشكال القطعانية. الأنواع الحيوانية تتصارع مع بعضها كأصناف بهدف البقاء: في سوريا، كان القتل بدافع ديني يهدف غالباً إلى التسلية أو التشفي أو الاستعراض. من هنا، فالدين الذي يرفض في كل تجلياته فكرة أن يكون أصل الإنسان حيواناً ما، يثبت كل لحظة، بالمقابل، أنه من بقايا الحيوانية عبر الشكل القطعاني الشهير.

زغاريد القتل لا تذكرني إلا بصيحات القرود وقت يحصلون على وجبة كبيرة من الموز: مع الفارق الأخلاقي لصالح القرود الذين لا يمكن أن تصل بهم الحيوانية إلى هذا المستوى الذي رأيناه في سوريا!!

صيحات الله أكبر لا تذكرني إلا بصوت الغوريلا وهو ينتصر على خصم من النوع نفسه أو من نوعية أخرى: مع الفارق الأخلاقي أيضاً لصالح الغوريلا...

رجال الدين الذين أسماهم نيتشه ذات يوم، " ديوك الله الرومية "، ليسوا غير قادة قطعان دموية أوصلها استلاب الفكرة المسماة بالدين إلى مرحلة أفقدتها فيها ما ميّز الإنسان عن أخوته من الحيوانات: التفكير العقلاني! رجال الدين وحدهم من يجرّ البشرية من أنفها إلى زمن القطعانية الحيوانية بأسوأ صورها...

رجال الدين؟؟ التمسك بالماضي الأبعد وقت نحن بحاجة لأن نفتح كل الأبواب أمام المستقبل...