نبيل فياض

نحو نيتشوية جديدة: الربيع العربي!

حتى اليوم، لم نجد في كل المقاربات التي تناولت ما اصطلح على تسميته " الربيع العربي " – بدأ مع الشتاء – مقاربة واحدة تتناول هذا " الربيع " من المنظور البيولوجي-الطبيعاني! طبعاً، قليلون جداً هم الذين يؤمنون بقوة الطبيعة، التي يمكن اعتبارها الإلهة الحقيقية للكون – الكيان الغامض الذي لا يمكن التصدي له أو مقاومته.

 كان معظمهم ضد الطبيعة. ورغم نداءات نادرة تأتي من هنا وهناك، فإن أحداً لم يصغ لصوت الطبيعة الصامت، التي كانت تئن كل لحظة. لقد سار البشري وراء غروره الفارغ حتى ترسخ اعتقاده الخاطئ بأنه أقوى من الطبيعة، وأنه قادر ككائن يختلف بالعقل عن غيره من الحيوانات على السيطرة على مظاهر الطبيعة، التي يستحيل عليه الإيمان بأنها آلهة، بالمعنى الكامل للقدرة الإلهية!
هل ثمة أزمة في العالم الإسلامي مع ألوهية الطبيعة؟ نعم! في الغرب غير الإسلامي يؤمنون قطعاً – أتحدث هنا عن النخب المفكّرة – بالقدرة الإلهية للطبيعة، لذلك نراهم يفجرون كل طاقاتهم العقلية من أجل التصالح مع أمنا الطبيعة. 
الطبيعة تتأذى من التزايد السكاني؛ لذلك يتفتق عقلها الكلي باستمرار عن وسائل تحارب بها أذى الناس. ولأن الأوروبيين في فترة ما قبل الحربين رهنوا أنفسهم للغريزة على حساب العقل، كانت الظاهرة الهتلرية-الموسولونية-الفرانكوية الصحية، التي أعادت التوازن بين البشر والطبيعة. كان لا بد من شطب ملايين كثيرة، شكّلوا عبئاً هائلاً على الأرض، التي ليست إمكانياتها غير محدودة.
الشرق اليوم محكوم بالغريزة؛ في حين أن الغرب محكوم بالعقل. الجنس غريزة أساسية عند الكائن الحيواني وغير الحيواني؛ لكن الجنس بعكس غرائز أخرى كثيرة، له نتيجة يمكن أن تكون كارثية على الطبيعة: النسل. ولأن الشرق محكوم عموماً بالغريزة كما أسلفنا، فالنسل في الشرق محكوم أيضاً بالغريزة؛ في حين أن النسل في الغرب محكوم بالكامل تقريباً بالعقل. الجنس في الغرب غريزة، لكن النسل في الغرب عقل. لذلك فالطبيعة هناك غير غاضبة. 
هدف الطبيعة من التناسل هو الارتقاء. لكن التناسل في الشرق لا يهدف إلا إلى زيادة السكان. يقول نيتشه هنا: " المسألة التي أثيرها هنا، ليست ماذا يجب أن يخلف الجنس البشري في تعاقب النوع ( - الكينونة البشرية هي نهاية -): بل أي نوع من الكائنات البشرية على المرء أن يربي، أن يرغب، وذلك بوصفه الأكثر قيمة، الأكثر استحقاقاً بالحياة، الأكثر تأكّداً من المستقبل ".
من هنا كان تساؤل فيلسوف القوة الألماني الشهير: " ما هو الجيّد؟ - إنه كل ما يرفع شعور القوّة، إرادة القوّة، والقوة ذاتها في الإنسان.
ما هو السيء؟ - إنه كل ما ينتج عن الضعف.
ما هي السعادة؟ - إنها الشعور أنّ القوة تزداد، - أن عائقاً تم تذليله.
ليس القناعة، بل المزيد من القوّة؛ ليس السلم أبداً، بل الحرب؛ ليس الفضيلة، بل الشطارة (الفضيلة بأنموذج عصر الأنوار، هي virtù، أي فضيلة خالية من حمض الأخلاق).
يجب أن يفنى الضعفاء والفاشلون: إنه أوّل مبدأ في حبّنا للبشر Menschenliebe. وعلى واحدنا أن يساعدهم كي يفعلوا ذلك.
ما هو الأكثر أذيّة من أية رذيلة؟ - إنه التعاطف الفاعل مع كلّ الفاشلين والضعفاء ". 
الإنسان الفائق غير شائع: " غالباً ما تواجد هذا النمط الأكثر قيمة بشكل كاف: لكن كحادث سعيد، كاستثناء، وليس كما هو مرغوب قط. بل كان على الأرجح الأكثر إخافة، كان حتى الآن الشيء الذي يجب الخوف منه حقاً؛ - ومن الخوف رُغِب بالأنموذج المعاكس، فرُبّي وأُنْجز: الحيوان الداجن، حيوان القطيع، الإنسان الحيوان المريض ".
لذلك فهو لم يعتبر أوروبيي عصره نماذج تستحق الإجلال: " لا يمثّل الجنس البشري تطوّراً للأفضل أو الأقوى أو الأرفع وفق الطريقة التي يؤمنون بها اليوم. « التقدّم » فكرة عصرية فقط، أي أنها فكرة مزيّفة. فأوروبي اليوم أقل قيمة بكثير من أوروبي عصر النهضة؛ التطوّر المستمر ببساطة ليس بأية حال ولا بالضرورة يعني الارتفاع، الإعلاء، التقوية ". 
واستدار بالتالي إلى ثقافات أخرى يمكن أن تظهر فيها نماذج الإنسان الفائق: " بمعنى آخر هنالك حالات نجاح فردي تظهر باستمرار في أكثر أجزاء الأرض اختلافاً ومن أكثر الثقافات اختلافاً والتي يكشف فيها الأنموذج الرفيع عن ذاته: شيء بالقياس إلى البشرية ككلّ هو نوع من الإنسان الفائق. مصادفات سعيدة كهذه ذات النجاح العظيم كانت ممكنة دائماً وربما ستكون ممكنة دائماً. بل يمكن لعروق، قبائل، وأمم بأكملها أن تعطي مثل هذا الهدف في ظل ظروف معينة ".
الأخلاق كعدوة للطبيعة: اللازمة الدائمة عند نيتشه، والتي أفرد لها فصلاً لا بأس به في كتابه، شفق الأوثان. فالأخلاق، كما استنها كهنة الآلهة من غير الطبيعة، كانت معادية لجوهر البشري، الذي هو متمرد على نظم الأخلاق الكهنوتية: " إنه مشهد مؤلم، مخيف، الذي انفتح أمامي: لقد سحبت الستارة على فساد الإنسان. ففي فمي هذه الكلمة محميّة ضدّ أيّ معدّل من الإرتياب: بحيث أنها تحتوي اتهاماً أخلاقياً للإنسان. إنّها - وأحب أن أؤكد على هذه الحقيقة ثانية - خالية من أي حمض أخلاق: وهذا إلى درجة أني أجد هذا الفساد تحديداً حيثما تاق المرء بأعظم وعي إلى « الفضيلة »، إلى « الألوهة ». إني أفهم الفساد، كما خُمِّن للتو، بمعنى التفسّخdécadence : فتأكيدي أن كلّ القيم التي يختصر بها الجنس البشري أعلى ما يرغب به حالياً هي قيم-متفسّخة ". ويشن نيتشه هجوماً متواصلاً على " فضيلة " الرحمة لأنها معادية للطبيعة : "الرحمة ككل تحبط قانون الارتقاء، الذي هو قانون اصطفاء ".
إن اللاهوتيين هم من يمتلك براءة الاختراع لمفهوم الأخلاق المتداول اليوم. واللاهوتيون، بأصنافهم، هم الأخطر على مستقبل الأمم والشعوب: " وإذا حدث ومدّ اللاهوتيون أيديهم إلى السلطة، عن طريق « ضمير » الأمراء (أو الأمم-)، لا تتركونا نشكّ ما الذي سيحدث أساساً في كلّ مرّة: إرادة النهاية، الإرادة العدمية ترغب بالسلطة ".
إن ما يحدث اليوم في المشرق الناطق بالعربية، برأينا، هو انتقام للطبيعة من غباء البشر. وفي اعتقادنا فإن الصراع لن يتوقف حتى يعود التوازن لأمنا الأرض. لذلك من الأخلاقي، وفق فهمنا للأخلاق، أن تستمر الحروب في المنطقة لأننا ما نزال بعيدين عن التوازن المطلوب. لذلك لا بد من إرادة القوة؛ لا بد من الابتعاد عن كافة أشكال الضعف، وعلى رأسها المفهوم " خير ": " حيثما تنهار إرادة القوّة بأيّ شكل يتواجد أيضاً في كلّ مرّة انحطاط فيزيولوجي، تفسّخ. يصبح اله التفسّخ، المقلّم من أقوى دوافعه وفضائله كلّها، منذ ذلك الحين فصاعداً، بالضرورة، اله الضعفاء والمعاقين فيزيولوجيّاً. لا يسمّون أنفسهم ضعفاء، يسمّون أنفسهم « الخيّرين »...وسوف يفهم المرء دون مزيد من الشرح في أيّة لحظة من التاريخ كان ممكناً للقصّة الثنويّة لإله خير وشرّ أن توجد للمرّة الأولى. فالغريزة التي تجعل الشعب المُخضع يختصر إلهه الى « الخير في ذاته » هي ذاتها التي تجعله يشطب الصفات الخيّرة من إله قاهريه؛ يثأر لذاته من سادته بتحويل إله سادته الى شيطان.-الإله الخيّر والشيطان: كلاهما نتاج للتفسّخ ".
كلام " عكس السير ": لكن ليس كل من يمشي عكس السير مخالف لقوانين الطبيعة ... والأخلاق!

 
 

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي نحو نيتشوية جديدة: الربيع العربي!