دمشق.. عاصمة الوهابيين: إلى أين؟

 

في حين تحاول المملكة السعودية اليوم التخلّي بكلّ قوتها عن الوهابيّة، الشيطان الذي ربّوه لاستخدامه في تدجين الشعوب ومحاربة الشيوعيّة المنهارة فاستدار بعد انتصاره في كابول إلى أولياء أمره لالتهامهم، تحاول الآن دمشق، بكلّ قوتها، انتحال دور الأمّ الشرعيّة لهذه الحركة الأصوليّة سيئة السمعة التي بات الآن يكرهها الجميع. في الستينيات قبيل وصول البعثيين للسلطة، خاصة بعد انتهاء الكابوس الناصري الإرهابي من ليالي دمشق وأحلام فتياتها، كان الهم الوطني هاجس الجميع، وكانت الديمقراطيّة في بلد الأعراف التعدّدية الراسخة، مع ظهور ما سمّي بحقبة الانفصال (ليس دون لمز وغمز) التي كانت بحق الزمن السوري الأجمل، تتلمّس طريقها برسوخ إلى قلوب الناس وعقولهم. 

 كانت أيام!!!

كانت سوريّا وقتها، وهي ـ مع لبنان طبعاً ـ الوحيدة من بين البلدان الناطقة بالعربيّة المليئة حتى التخمة بأعراف الاعتراف بالآخر المخالف، مؤهلة ربما كي تكون ماليزيا أو كوريا الجنوبيّة غرب آسيا؟ فما هو الخطأ الذي أحال الغوطة إلى قطعة من الربع الخالي؟

مسيحي سوري؛ مسلم سوري؛ يهودي سوري؛ زرادشتي سوري؟

في بلاد شمال إفريقيا الناطقة بالعربية عدا مصر، كان الناس يستغربون حين كنّا نحدثهم عن وجود سوريين ـ من أهل الوطن وليسوا مبشرين غربيين ـ غير مسلمين أو سوريين من غير أهل السنّة والجماعة! فالعروبة في أذهان الغالبية الساحقة من الناطقين بلغة الضاد لا تعني غير الإسلام بشكله المتعارف عليه! لكن سوريّا، بلغة الواقع والطبيعة، كانت مختلفة. 

للذين لا يعرفون ذلك، فالسوريون كانوا، قبيل الغزو العربي البربري لبلاد الشام، سادة الأعراف الثقافية في العالم القديم. ـ  كان عدد الكتّاب السوريين باللغة اليونانية يكاد يوازي في القرون المسيحيّة الأولى عدد من يكتبون بها من المثقفين في الوطن الأم، اليونان. وكان الفكر اللاهوتي المسيحي، خاصة في القرون الثالث والرابع والخامس، متألقاً على يد السوريين: كانت سوريّا، بحق، ألمانيا العالم القديم. فالفكر اليعقوبي المونوفيزي، أخذ اسمه عن راهب سوري عظيم اسمه يعقوب البرادعي؛ مار مارون، مؤسس الرهبنة المارونية، التي بدأت مونوتيلية وانتهت بالكثلكة، كان سورياً من حلب؛ بولس السميساطي، مستشار زنوبيا وأبو المادية المسيحية، سوري؛ رغم أن الخلقيدونية لم تكن سورية، فالسوريون ساهموا بقوّة في اللاهوت الخلقيدوني مثل ثيئوذيتيوس؛ بل إن آريوس، المفكّر البارز في تاريخ الهرطقات المسيحيّة، كان تلميذاً للوقيانوس الأنطاكي. و باعتراف الإنجيل ذاته، فالتلاميذ دعوا للمرّة الأولى مسيحيين في أنطاكية، عاصمة سوريا المسيحيّة وسائر المشرق. من ناحية أخرى، فالهرطقة المسماة بالنصرانية، كما أشرنا في كتابنا النصارى، ترسخت في عاصمتها المسماة بويريا، الواقعة جنوب أنطاكية وشرق اللاذقية.

في ضاحية دمشق المسمّاة جوبر، أقدم كنيس قائم في العالم: كنيس إلياهو النبي! الآن انتهى الوجود اليهودي من حارتهم قرب باب توما؛ مثلهم أيضاً مثل الأزيديين الزرادشتيين، سدنة العبادات السورية القديمة، الذين يتركون قراهم وبلداتهم، بشكل مضطرد إلي ألمانيا الباحثة عن تعددية وإن كانت مصطنعة. وفي حارة الزيتون الدمشقية القديمة انتهى وجود اليهود القرّائين، وفي برج الروس القريبة لم يعد للسامريين أثر.

كان غزو العرب المسلمين للبلد عنيفاً ودموياً ومفعماً بالإرهاب: صارت دمشق، التي كانت عاصمة الثقافة واللاهوت المسيحيين قبل الغزو، موئلاً لغباء ثلة من البدو لم يتركوا للتاريخ الحضاري الإنساني غير كمشة أشعار تافهة وحكايا قيان وجوار وخلفاء يذبح واحدهم الآخر في سبيل الملك. ـ مع ذلك فقد كان حظ سوريّا كبيراً في أن ثلّة البدو التي دخلت دمشق بعد سقوط بيزنطة فيها كانت من الأمويين؛ فهؤلاء كانوا، كما يشهد على ذلك تاريخ أمراء مؤمنين من نمط يزيد بن معاوية وهشام بن عبد الملك والوليد الثاني، حكّاماً باسم الإسلام: لم يكونوا مسلمين قط ـ  باستثناء عمر بن عبد العزيز، الذي تقول الروايات إنه مات مسيحيّاً في أحد أديرة الخلقيدونيين ـ  دير مار سمعان قرب معرة النعمان. ولأن الأمويين لم يكونوا يقبضون الإسلام عموماً، فقد تركوا مساحة لا بأس بها للفكر الآخر كي يتنفّس: فلم تنته من التراب السوري التيارات الأخرى غير الإسلاميّة، وإن كان الزمن لعب الدور الأسوأ في تاريخ التعدّدية الثقافية في البلد، خاصة مع حقبة الاستعمار العثماني الذي جثم على صدر بلاد الشام أكثر من أربعمئة عام، كانت كافية للوصول بها إلى تخوم الانهيار المعرفي. 

(كلّما تخيّلت أن يكون الطالبان أو القبيسيّات مكان بني أمية؛ وأن يكون بن لادن أو الشيخة منيرة القبيسي أو أحمد منصور مكان حبيبي وسيدي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، تنتابني رعشة خوفاً على قطعة الفسيفساء الإثنية ـ الدينية الدمشقية الرائعة التي وصلت إلينا من الأمويين).

ولأن سوريّا كانت راسخة المعالم ثقافيّاً، فناسها الذين اعتنقوا الإسلام لسبب أو لآخر لم تستطع أنوفهم تحمّل رائحة الإسلام بشكله الرعوي البعيد عن المدنيّة، فقد تمثّلوه وأعادوا إفرازه بما يتلاءم مع البيئة الزراعية الشاميّة: وهكذا، فسوريّا تنفرد اليوم، بين الدول الناطقة بالعربية، كما أشرنا، باحتوائها مذاهب إسلاميّة متعدّدة ذات جوهر فلسفي، بعيدة عن روح البداوة التي ميّزت على الدوام مذهب السنّة: الاسماعيليون أولاً؛ العلويون؛ الدروز؛ المرشديون..

اللوحة الجميلة.. محطمة:

هذه اللوحة الحضارية الجميلة، التي تناقلها السوريون عبر قرون، تقبع الآن على شفا التحطّم!  لماذا؟؟؟ اسألوا البعثيين!!! 

مع وصول هذا الحزب الطليعي إلى السلطة، خاصة أثناء حكم أمين الحافظ (حتى الآن لا أفهم كيف استطاع السوريون تحمّل غباء هذا الكائن)، وبزوغ نجم الطائفيّة بقوّة، بدأ التآكل يدبّ في أوساط اللوحة. صرنا نسمع مع مَقدمِ هؤلاء التقدميين مقولات علوي وسنّي؛ درزي وإسماعيلي؛ مسلم ومسيحي.. لكن الهاوية الكبرى التي دك حزب البعث سوريّا في دركها الأسفل، هو تغييب الديمقراطية. وفي اعتقادي أن تغييب الحافظ وزمرته للديمقراطية كان بهدف موضوع سلفاً هو التصرّف بالوطن وفق أهوائهم دون حسيب ولا رقيب؛ ورغم أنف الذين سوقوا الحافظ قبل أشهر ـ  العبقري أحمد منصور الذي أقام هذه المومياء من بين الأموات ووطأنا بالموت ـ  في الجزيرة، يبقى تاريخ هذا الرجل، خاصة الأخلاقي (مع رباحه الطويل جدّاً) وصمة عار في تاريخ سوريا. 

ودون دخول في مزاودات فارغة لأن القائمين على ما يسمّى بالإعلام في النظام السوري الحالي يمنعون أي كتاب لي ولو كان في امتداح عظمة البعث، فقد حاول الرئيس حافظ الأسد (دون مواربة، فقد كان شعوري بالأمان غامراً في حياة هذا الرجل، رغم كلّ محاولات الأصوليين الإساءة إلي على الدوام) التأسيس لنوع من الديمقراطيّة البدئية: فماذا كانت النتيجة؟ استغلّت جماعات الإرهاب الإسلامي الفرصة، وراحت تنتشر بسرطانيّة مخيفة بين صفوف السنّة السوريين: لم يكن لدى هؤلاء برامج عمل أو طروحات سياسية أو مشروع لتداول السلطة بشكل ديمقراطي ـ كان كل ما في جعبتهم هو أن النظام علوي كافر ولابدّ من تغييره بقوة السلاح. وهكذا، كان لا بدّ للنظام أن يردّ بالمنطق ذاته والسلاح ذاته والعقليّة ذاتها: ودفع الشعب السوري غالياً ثمن غباء الأخوان وردّة فعل النظام:

ماتت الديمقراطيّة المأمولة قبل أن تولد؛ وحلّت محلّها لاحقاً تركيبة لا علاقة لها بالديمقراطيّة عبر ما سمّي بالجبهة الوطنيّة التقدميّة (لا أدري من اختار لها هذا الاسم، خاصة إذا ما عرفنا أن بعض الوطنيين التقدميين في هذه الجبهة يمتلك أسطولاً من نساء لا تراهن الشمس وربما ينافس المرحوم ابن باز في التزامه) التي لا يعرف مواطن سوري عدد أحزابها أو أسمائها، والتي ينقسم فيها ما يسمّى بالحزب الشيوعي، كالبارميسيوم، كل موسم، أملا ًبمكاسب جديدة، والتي يمكن وضع بعض أحزابها، بقاعدته الشعبية العريضة ومكتبه السياسي، في سيارة فولكسفاغن واحدة. 

امتلأ حزب البعث حتى الثمالة بالانتهازيين والهاربين من تهمة الأخونة واللصوص الراغبين بشكل للحصانة إلى درجة أنه يمكن القول إن البعثي، بالمفهوم العقائدي لهذا الحزب، صار نادر الوجود: شخصيّاً، لم ألتق قط بعثيّاً بالمعنى الذي أفهمه للبعث في أدبياته ونظامه الداخلي.

غياب العمل السياسي عن الساحة السوريّة، والإنسان مليء بالطاقات الفكريّة التي تبحث عن أي متنفّس لها، أدى بمراكز أخرى، ذات صبغة معرفية، أي الكنائس والمساجد وما شابه، إلى احتلال الساحة ـ من ذا الذي يجرؤ على إقفال مكتب الله السياسي؟!

 وهكذا انقسم الوطن، باستثناءات نادرة، إلى أقليّة بعثية ذات طابع انتهازي مكروه (لعب الإسلاميون الدور الأهم في زيادة تشويه حزب البعث، خاصة منظماته الشعبية: هل يمكن أن ننسى التهم الشنيعة التي كانوا يتداولونها بحق شبيبة الثورة والاتحاد النسائي على وجه الخصوص)؛ وغالبية طائفيّة أصولية يسيطر عليها وكلاء الله على الأرض، تعمل بوعي أو دون وعي على إعادة البلد إلى عصر الانحطاط بكافة السبل.

سيطرة القوى الأمنيّة على مقدّرات الوطن، مع ما يستتبع ذلك من إطلاق يد بعض الضباط للتصرّف في موضع عمله باعتباره ملكاً شخصيّاً له، بناسه وأرضه، وما أدى ذلك إلى تجاوزات قاتلة بحقوق الإنسان وكرامة المواطن.

ولأن الأخوان اختاروا النغمة الأسهل للسيطرة على الشارع ـ تكفير الحكّام باعتبارهم علمانيين أوّلاً وعلويين ثانياً ـ فقد اختار النظام أن يرد بأسلوب رجعي ـ مع أن الفرصة كانت مواتية تماماً لإعلان علمانية الدولة وإنهاء أية وضعية طائفية مرضية ـ  تجلّى في مزاودة أصوليّة من قبل النظام على الأخوان جعلت الوطن كلّه يعيش كابوس رالي تخلّف ديني تأوج في الحالة الوهابيّة الطالبانية التي تعيشها سوريا الآن.

الوهابية الطالبانية: هل نحن نبالغ؟

سنتهم بالمبالغة طبعاً: بتشويه سمعة الوطن الغالي الذي يعمل إعلامه الفاشل على تسويقه باعتباره (مازالوا حتى الآن يستخدمون في الإعلام السوري المرئي بخاصة ـ المقروء غالباً لا يقرأ ـ المفردات الإنشائية التي كانت تستخدم زمن المرحوم عبد الناصر والتي يقصر استعمالها في دول العالم الثالث على طلاب الصف الرابع الابتدائي في مادة الإنشاء) مهد الحضارة ولحدها. لكن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن التنظيمات الأصولية الإرهابية صارت التهديد الفعلي لمستقبل الوطن القريب جداً: إرجاء المصيبة لا يمنعها! إن حركة كالقبيسيّات، التي تضمّ بين جوانبها مجموعة من نساء وقريبات بعض من كبار الرموز، هي أقوى بما لا يقارن من تنظيم رسمي كالاتحاد النسائي! وهذه الحركات الإرهابية الكامنة، التي تسيطر الآن على المجتمع السوري اجتماعيّاً، يمكن أن تنقلب بين عشية وضحاها، كما حصل في مصر، إلى حركات عسكريّة سياسيّة يمكن أن تطيح تماماً بما تبقّى من الموزاييك السوري. المصيبة، أن لا أحد يريد رؤية الواقع: لا أحد يمتلك رؤيا واضحة لكيفية التعامل مع هذه الوقائع المستجدّة الساعية الى الترسّخ بقوة غير مسبوقة.

ملاحظات حديثة:

كي لا يظل الكلام عائماً بلا ضوابط أو أمثلة، يمكن أن نقدّم الآن أمثلة حيّة عمّا يحصل الآن في سوريّا، ولا يتمّ التعامل معه بالحدّ الأدنى من المسؤوليّة:

في رمضان الماضي، وفي بلدة جرمانا التي يقيم فيها دروز ومسيحيون حصراً (وجود المسلمين غير ملاحظ إلا ما ندر)، قام قاض من المطوعين السوريين الجدد بإيقاف درزي لأنه كان يدخن وقت الصوم في مكتبته!

وفي رمضان الماضي أيضاً، حيث موسم الهيستيريا الدينية يكاد يصل إلى نقطة اللاعودة، قامت قيامة المشايخ على مسلسل كوميدي نقدي سوري تجرّأ ـ  والعياذ بالله ـ على تناول ظاهرة القبيسيّات المرضية مما اضطر التلفزيون السوري المبجّل الامتناع عن بث حلقة أخرى قريبة في موضوعها تحكي عن شيح أمثولة يدعى "سلتة".

وبسبب توزيع لا علاقة لي به لعملي النقدي التهكمي المطبوع في جونيه ـ وطني الفعلي والوحيد ـ مراثي اللات والعزّى، قام الأصوليون بنشر مقالة تكفيرية من أربع صفحات في شوارع دمشق وحاراتها، تحت مرأى ومسمع التقدميين الأفاضل، الذين لم يحاولوا حتى معرفة مصدر هذا المنشور ومموليه. وحين حاولت البحث عن وطن بديل أعيش فيه دون خوف، تعرّضت للمساءلة؛ بمعنى آخر، يجب أن نبتسم للإرهاب الإسلامي إذا حاول قتلنا كي لا نشوّه بامتعاضنا الصورة المشرقة التي يريد الإعلام السوري تعميمها في العالم.

ملاحظة:

بعد منعي من الكتابة في سوريّا، توجهت للعمل كصيدلاني في منطقة ريف دمشق! مع ذلك، فقد تمّت مهاجمة صيدليتي من قبل أحد رجال الدين من الوهابيين الذين ينتشرون في المنطقة بأكثر مما يمكن تخيّله، ورغم اعتراف الشيخ، فإن أحداً لم يتمّ توقيفه!!! وبعدها بفترة قصيرة، تسلّم الراية من الشيخ الذي لم يُعاقَب طبيبٌ وهابي دفع لبعض العاطلين عن العمل نقوداً كي يكتبوا تقارير للأمن تفيد بأني أتطاول على شخص الرئيس (التهمة التي استبدلت الآن بتهمة الانتماء إلى الأخوان أو الكتائب السابقة التي كانت الأسهل في إيصال المرء إلى السجن) فأرمى بالتالي في غياهب السجون ويقضى علي ماديّاً ومعنوياً، بعد أن حاولوا القضاء علي معرفيّاً بكل السبل الممكنة. ولولا بقية من شرفاء في بعض مراكز القرار السورية لكنت الآن في مكان غير مرغوب كثيراً.

خرافة ديمقراطية الإسلاميين:

أتعب الإسلامييون آذاننا؛ أرهقوا عيوننا؛ زكموا أنوفنا بأسطوانة ديمقراطيتهم المشروخة المملّة؛ فهل هم حقّاً ديمقراطيّون؟ إن التعريف الأبسط للديمقراطيّة، بحسب أحد المرجع؛ يقول: إنها "مشاركة جماهير الشعب في القرارات التي تصوغ شكل حياة أبنائه؛ حكم شرع الغالبية، مع الإقرار بحقوق الأقليّات؛ حرية الكلام، الصحافة، والتجمع؛ حريّة تشكيل أحزاب سياسيّة معارضة وحق هؤلاء في الوصول إلى الحكم؛ الالتزام بكرامة الفرد والفرص المتساوية للشعب من أجل الوصول بطاقاتهم الكامنة إلى أعلى درجاتها". فهل يؤمن هؤلاء بهذا الكلام؟ إذا كان أتفه قاض من الجماعات الأصولية قادراً على سحب أي من أبناء الأقليّات من أنفه إلى السجن (تخيّلوا مثلاً قاض سوري من المطوعين الدمشقيين الجدد وقد التقى السفير الأميركي مفطراً في شهر القرآن: ماذا كان قداسته سيفعل؟ المخصيّون لا يبحثون عن إثبات لذكوريتهم الضائعة إلا في حضور من يشعرون أنهم أضعف منهم) لأنّه أفطر في رمضان؛ فعن أية حقوق أقليّات نتحدّث؟ إذا كان أتفه شيخ قادراً على منع أي كتاب لا يعجبه (كذا) فعن أية حريّة كلام يتحدّثون؟ إذا كانوا يعتقدون أن الله هو الذي أعطاهم شرعهم وأفكارهم وعقائدهم، فهل يمكن، إذا وصلوا إلى السلطة، لا سمحت الآلهة، أن يعطوها يوماً لغيرهم؟ وتداول السلطة أحد أهم دعائم الديمقراطيّة.

باختصار نقول: إنهم بعد أن أحكموا قبضتهم على رقاب الناس اجتماعيّاً، فهم يريدون الآن، عبر صناديق الاقتراع، أحكام قبضتهم على عنقه سياسيّاً أيضاً. 

إنهم يريدون ديمقراطية سياسية لا معرفيّة: الأولى تقوّي سلطاتهم، والثانية تكشف حقائق خرافاتهم ودعاويهم وتفنّد أقاويلهم حول تاريخهم المقدّس وصحابتهم المعصومين ورسالتهم الخالدة. 

سوريّا الآن في خطر لا مثيل له: الإسرائيليون وحلفاؤهم من الخارج، والوهابيون ومن لفّ لفهم من الداخل ـ فهل سنحافظ على هذا الوطن الذي لن يغفر لنا أبداً إذا ضيعناه؟

نبيل فياض

تاريخ النشر: Dec  10, 2003

 

نشـرت فــي: /الناقد/ annaqed.com