حجاب شيراك ومتعة خامنئي: لو ذات سوار لطمتني!!

قبل سنوات، وكنت أعيش في بيئة دمشق الشيعيّة، كانت لي علاقة بأحد أحفاد المرجع الاثني عشري الشهير، محسن الأمين، الذي كان ـ  الحفيد طبعاً ـ  يدرس في موسكو السوفيتيّة الحقوق. تطرّقنا مرّة في حديثنا لزواج المتعة، الذي أثبتُّ بالقطع، في كتابي حوارات في قضايا المرأة والتراث والحريّة، أنّه محلّل إسلاميّاً عموماً وأن الذي حرّمه هو عمر بن الخطّاب. كنت أعتقد، لضعف ثقافتي المتعوية، أن هذا النوع من الزواج (إن صحّت التسمية) لا يختلف كثيراً عمّا هو متعارف عليه من زواجات: يتميّز فقط بمسألة تحديد زمن النكاح! لكن هذا الإثني عشري، ابن البيت الفقهي الشهير، أفهمني أن للمتعة أوجهاً كثيرة لا سبيل إلى حصرها؛ وقال لي مرّة، إنهم كانوا يأتون بالعاهرات الموسكوفيات، يكتبون لهن صيغة نكاح ذات طابع ديني (نسيتها لأني لا أتحمل التوافه المقدّسة)، عربية اللغة روسيّة الأحرف حتى يمكن للعاهرات لفظها، وكانت العاهرات يردّدنها كالببغاوات المصابات بعمى الألوان، لتصبح المضاجعة من ثم زواج متعة، وهكذا لا يشعر الممارس الإثنا عشري المؤمن أنه يقترف جريمة الزنا مع ساقطته. أمّا ما تأخذه منه من أجر فهو، بحسب نصّه التافه المقدّس، مهر تلك الكائنة عن نصف ساعة المتعة التي تمضيها معه. نعم! هذا أغرب أنواع البغاء المقدّس التي صادفتني في دراستي لعلم السلوك الجنسي للمجتمعات المتباينة. صحيح أن التسرّي المصدّق عليه شرعيّاً كملك يمين أسوأ بما لا يقارن من الدعارة، لكن هذا العرف ـ التسرّي ـ مشترك مع أعراف مشابهة من ثقافات أخرى.

 

هذا الكلام نورده بمناسبة المزاد العدائي العلني المفتوح، عند السنّة والشيعة، ضد الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي أصدر قراراً بمنع الرموز الطائفية في المدارس العامّة والدوائر الرسميّة (مثل تونس)؛ وكان خامنئي، المرشد العام الأعلى لما يسمّى بالجمهورية الإسلامية في إيران، أحد أبرز القائمين على هذا المزاد. وكالعادة، راح هؤلاء، وهم الأكثر خبرة في التطبير(*)، يندبون الأخلاق التي أطاح بها القرار العلماني الفرنسي، ويتباكون على حقوق الإنسان التي تهدر على مذبح الكفّار الفرنسيين. 

حقيقة الأخلاق في الجمهورية الإسلاميّة:

في حديث لهيئة الإذاعة البريطاني، يوم الأحد 9\12\2001، قال الدكتور علي سيّاري، إن عدد المصابين بفيروس الإيدز في إيران تجاوز 15 ألف شخص، وهو يمثّل ستة أضعاف عدد المصابين به قبل خمس سنوات. ( نحن الآن على أبواب عام 2004 ). وأكمل هذا الرجل؛ يقول: إن زواج المتعة جعل مكافحة هذا المرض صعبة حيث يجيز القانون للرجال الزواج من أكثر من امرأة ولأوقات مختلفة؛ وهو ما يساعد على انتشار الأمراض التناسلية، ومنها الإيدز. من ناحية أخرى، ففي مجلّة الشراع (عدد 684) التي يملكها شيعي لبناني، نسب إلى رفسنجاني، رئيس إيران السابق قوله، إن في إيران أكثر من ربع مليون لقيط بسبب زواج المتعة، وإن مدينة مشهد، التي يقدّسها الاثناعشريون، أضحت مدينة المتعة الأهم في الشرق الأوسط الإسلامي.

من ناحية أخرى، قال رئيس منظمة السلامة الاجتماعية الإيرانيّة، محمد رضا راه جمني، إن ثلاثة بالمئة من سكان إيران (خمسة بالمئة من البالغين) مدمنون على المخدّرات حاليّاً، وإن أربعة أطنان من الأفيون تستهلك يومياً في البلاد. دون أن ننسى الإشارة إلى دور حقن تعاطي المخدّرات في نشر الإيدز عموماً.

إذن، ليس ثمة مبرّر للخامنئي، قدّس سرّه (لا أعرف ما تعنيه هذه العبارة: لكنهم يرفقونها باسمه دائماً في أحياء السيدة زينب والأمين والجورة وجعفر الصادق في دمشق) كي يقوم بدور العدادة ـ النواحة ـ الردّاحة ـ الردّادة ضد هذا الفرنسي المزعج، فالوضع الأخلاقي في فرنسا بريجيت باردو وصوفي مارسو وإيزابيل أدجاني، حيث يمارس الجنس ببراءة ودون تفلسف أو أكاذيب مقدّسة، في اعتقادي على الأقل، أفضل بما لا يقارن من مثيله في إيران الملالي، مسوقي فلسفة المتعة وغيرها من أنواع الدعارة المؤدلجة.

حقيقة الحجاب:

لقد أضحى الإسلام، هذه الأيام بشكل خاص ـ وكأنه تنقصه الفضائح ـ سلعة استهلاكيّة فاسدة يعمل على ترويجها عاهرات سابقات، من بقايا عجائز الفن والصحافة اللواتي أكل الدهر عليهن وشرب بحيث لم يبق في القصر العامر سوى بوم ينعى الخراب، من أمثال سحر حمدي وصافيناز كاظم؛ وهؤلاء اعتدن على الأضواء، فماذا يفعلن بعد أن انتهى الطلب (باللهجة اللبنانية؛ نقول: الركّ) عليهن وصرن من ملاك المتاحف؟ الافتاء!!! نعم!!!! مثل عمرو خالد (بوي جورج المشايخ) تماماً!!! فجأة اكتشفن أن الله، ببابه المفتوح دائماً، للعجوز الشمطاء كما للصبيّة الفاتنة، للطاهرة كما للعاهرة، هو الحل: فهجمن عليه. كيف؟ يعملن مفتيات، ينافسن سيّد طنطاوي (بالمناسبة، كما ذكر لي صديق إعلامي أجرى لقاء معه، فهو ليس أفضل من سحر حمدي) فتلاحقهن كاميرات محطّات النفط الفضائية ويحافظن بالتالي على شعورهن بأن الزمن لم يرفسهن بحافره الأيمن. لكن الإفتاء ليس كالتمثيل أو الرقص أو صحافة الست صافيناز! إنه بحاجة إلى بعض التفقه في بعض الأمور. وما همّ هؤلاء من التفاصيل: تكفيهن موضوعتا الحجاب والإرهاب أساساً لكلّ العلوم الشرعية. وإذا كنّا عالجنا موضوعة الإرهاب غير مرّة في أكثر من كتاب ولقاء تلفزيوني، لا بأس أن نتوقف الآن لبعض الوقت لمعالجة موضوعة الحجاب، مع العلم أني لا أستطيع التطرّق إلى أي شأن إسلامي بجدّية أبداً. فما هي حقيقة هذا الحجاب الذي يرفعونه قميص عثمان كلما لاحت لهم الفرصة؟

 خامنئي ، كتقوي من الدرجة الأولى، يعرف تماماً أن الحجاب المنتهكة حرمته مسألة طبقية لا دينيّة؛ ولأن خامنئي يعرف ما نقوله جيداً، فكلامنا ـ نعيد من جديد ـ موجّه أولاً لمنظّرات التحقير الذاتي اللواتي يملأن بنقيقهن هذه الأيام محطات النفط الفضائية، وثانياً للغوغاء الإسلامي، الغالبية الساحقة التي تتهيج بحدّة نادرة وهي تتأمّل هؤلاء المنظّرات وهن يدافعن بذكريات شبق واضح عن إلههن المكتئب من منظر مسلماته حين يخلعن حجابهن. بالمناسبة، فإن الفقه الإسلامي يلتقي بقوة مع أفلام البورنو في أن الطرفين يتعاملان مع المرأة على أنها جسد (متاع) ليس إلا!!

************

كما تخبرنا كتب التاريخ، فإن أهل المدينة "المنورة" كانوا، وهذا في أيام النبي والصحابة، عديمي الأخلاق عموماً! وكانوا ينزون على النساء، بمناسبة ودون مناسبة! لذلك شرّع الإسلام الحجاب للتمييز بين الحرّة والأمة، حتى لا ينزو أولئك على الحرّات. ولمّا حاولت الإماء الهرب إلى الحجاب للتخلص من مضايقات رجال الإسلام الأوّلي، كان عمر بن الخطّاب لهن بالمرصاد، فكان إذا رأى أمة محجّبة يضربها بدرّته الديمقراطية الشهيرة على رأسها؛ قائلاً: فيم الإماء يتشبهن بالحرائر؟  حتى يسقط حجابها! ووصل الأمر إلى درجة أن الإمام مالك (هذا الرجل لم يكن يرغب قط بامتهان الفقه، بل الغناء، خاصّة بعد ما حوّل الأمويون المدينة المنورة، بعد وقعة الحرّة الشهيرة، من مركز علوم دينية ومعارضة سياسية إلى كازينو لتصدير المطربات والمطربين إلى دمشق، على يد عبد الله بن جعفر "الطيّار" غالباً، لكن أمه ـ أم الإمام لا ابن الطيّار ـ الفاضلة، التي أنجبته بدورها بعد سنوات من وفاة الوالد، ارتأت عليه العمل في مجال الدين، لأن دمامة شكله لا تساعده على أن يكون مطرباً هامّاً) اعترض على عرض الجواري شبه عاريات قرب الحرم أو المسجد النبوي!!!

جاءت مرحلة المذاهب، وتم التشريع بنص رسمي لا تأويل فيه لمسألة الحجاب: عند المذاهب الخمسة، عورة الحرّة كامل الجسد عدا الوجه والكفين (ابن حنبل تشدّد أكثر)، وعورة الأمة ما بين السرّة والركبة. وإذا ما عرفنا أن أمير المؤمنين المتوكّل على إلهه العباسي، كان يمتلك ألوف الجواري وأربع نساء، مثله مثل كثيرين غيره، يمكننا أن ندرك عمق تحجّب مجتمع الخلافة الإسلامية والتزامه الأخلاقي: إن من يقرأ ما كتب عن بغداد هارون الرشيد والأمين والمعتصم، على سبيل المثال، يشعر وكأنه في البيغال أو سوهو!!! إذن، الحجاب في الإسلام طبقي، للتمييز بين الحرّة والأمة، لا ديني! ومعظم إماء ذلك الزمان، لمن لا يريد أن يعلم، كن من المسلمات. الحجاب، برأينا، في هذا الدين المحتقر للمرأة، الذكوري بلا منازع، جاء لتلبية أعمق غريزتين عند الإنسان الذكر: أي، التملّك والجنس. فالزوجة الحرّة المحجبة التي لا تراها الشمس، أفضل طريقة لإشباع غريزة التملك الذكوريّة، والأمة العارية شبه العاهرة، المتفننة في كافة جوانب الإثارة، الوجه الأكمل لإشباع غريزة الجنس الذكورية. وفي الحالتين المرأة أداة ـ متاع.. والبقية تأتي!!!

وإذا كانت الدول المتقدّمة أجبرت المسلمين، نظريّاً على الأقل، على إلغاء الرقّ بأنواعه، فإن الحجاب لا بدّ أن يزول آليّاً بزوال مسبباته.

حقوق الإنسان في إيران:

حين أشير إلى إيران حصراً في هذا النقاش الذي لا يخلو من حدّة، وأتغاضى بالمقابل عن تفوهات شيوخ النفط الخليجيين في المسألة ذاتها، فهذا لأني أحترم فارس العظيمة، بتراثها الثقافي الفلسفي المعرفي الهائل، بعمقها الحضاري الضارب في أعماق التاريخ، بزرادشتها الذي أعطى البشرية كثيراً من قيمها: إيران بالنسبة لي شعب ورث بنى ثقافية لا حصر لها، وإن كان يعيش اليوم سحابة صيف الملالي السوداء المزعجة، ولا سبيل لمقارنته بكمشة البدو المجدّرين، القابعين فوق نفط لم يكتشفوه أو يستخرجوه، والذي يبيعونه للغرب ليشتروا بثمنه أسلحة وورق يطبعون عليه فتاوى القتل والإرهاب ويدفعون لراقصات وصحفيات بدايات القرن الماضي أثمان فتاويهن القيمّة!

ملاحظة:

(رغم كلّ شيء، فالمقارنة بين الذين يسوّقون الإسلام عند الطرفين الشيعي والسنّي، خاصّة بعد دخول الست صافيناز كاظم والأخت شمس البارودي والإمام حسن يوسف والفقيهة سحر حمدي وأم المؤمنين زيزي مصطفى والعلاّمة سهير البابلي وبوي جورج العرب ساحة الدعوة عند السنّة، تجعل الشيعة أقل جدارة بالتسفيه!!)

خامنئي يتباكى على الديمقراطيّة في فرنسا!!! لو ذات سوار لطمتني!!! خامنئي يتهم العلمانية الفرنسية بالإساءة إلى حقوق الإنسان والتعدي على الخصوصيّات!!! فما هي حال الإنسان وحقوقه في إيران؟؟؟ 

إذا كنتَ بهائيّاً، أو من جذور بهائية، فمن الأفضل لك أن لا تزور إيران، لأنك ستقتل مباشرة: لماذا والدلائل الماورائية على "حقائق" مطلق دين لا تتعدّى حدود الظنون؟ لأن إيران دولة ديمقراطية تؤمن بحقوق الإنسان. الأمر ذاته ينسحب على أعضاء حزب توده الشيوعي الإيراني الذي دعم بقوّة انتفاضة الخمينيين ضد حكم الشاه؛ وإذا كنت غير شيعي إثني عشري فلا تراود لك نفسك الترويج لفكرك في إيران؛ لأنك إن لم تقتل، فسوف تطرد من البلد بعد أن تعذّب وترى ما هو أصعب من القتل؛ وإذا كانت فرنسا العلمانيّة قد حظرت الحجاب في مدارسها العامّة، فهي لم تحظره في البيوت أو الشوارع أو المدارس الخاصة بالمسلمين؛ لكن ما هو وضع المرأة غير المسلمة أو العلمانية من جذور إسلاميّة، من جهة حرية اختيار اللباس، في إيران العم خامنئي؟ حتى إذا جاءتهم، في إيران، ملكة بريطانيا ـ لا سمح أهورا مازدا طبعاً ـ فلا بدّ أن ترتدي الحجاب الإسلامي! في الشارع: الحجاب الإسلامي؛ في الأفلام السينمائية حيث النساء تستحم وتنام وتبول: الحجاب الاسلامي؛ في النايت ـ كلوب: الحجاب الاسلامي؛ لا أستبعد أن نشاهد يوماً أفلام بورنو بالحجاب الإسلامي. وماذا عن حقوق النساء غير المسلمات في إيران، خاصة إذا ما عرفنا أن بعضهن، وأتحدّث هنا عن الزرادشتيات حصراً، هن أصل إيران وفصلها؟ ليذهبن إلى الجحيم: ففهم الملالي لما يعتقدون أنه شرع إله أهم بكثير من حقوق الإنسان وما إلى ذلك من الترّهات!!!

لكن القرضاوي، الشيخ النفطي غير المشتعل، ساهم بقوّة في الحملة الصليبية على شيراك! نحن لا نقف عند هذا الرجل لأننا لا نقبل بنقاش من هم دون السويّة أخلاقيّاً ومعرفيّاً!!

بقي أن نقول، إن الأوانس المتضرّرات من القانون الفرنسي كلّهن من أصول غير فرنسيّة، وكلهن يكرهن الغرب الكافر والعلمانيّة والاستعمار؛ فلماذا لا يعدن إلى بلداهن الأصليّة المتضوّرة جوعاً كي يعشن النعيم على الأرض؟ ثمّة حل آخر أكثر عملانيّة: لما لا تستبدلنا سوريّا، التي تنتشر فيها القبيسيّات وكافة أصناف منظرّات التحقير الذاتي كالنار في القش، بسكوت وربما بتحريض من بعض القائمين على الأمر، كأقليّة علمانيّة أو غير إسلاميّة، بتلك النسوة المعانيّات في فرنسا، خاصّة وأن ما يجمعنا مع شيراك أكثر بما لا يقارن مما يجمعنا مع خامنئي ومن على شاكلته.

(*) "التطبير" لفظة اختص بها الشيعة، وهي تعني عمليات جلد الذات التي تمارس في الطقوس العاشورائية؛ وللإمام محسن الأمين رسالة في تحريم هذه الممارسة.

نبيل فياض 

تاريخ النشر: Dec  26, 2003 

نشـرت فــي: /الناقد/ annaqed.com