نبيل فياض

على الحرية جنت " الثورة "

من اللقاءات المجتمعية التي أعيشها كل ثانية هذه الأيام في لبنان وسوريا، كانت إجابة كل الناس تقريباً على سؤال: " ماذا تريدون بعد عامين وشهرين على الحراك؟ "؛ نريد العودة إلى حياتنا الطبيعية ما قبل " الثورة "!!!
أين ذهبت مطالب الحرية التي صدعوا بها رؤوسنا في بدايات الحراك؟؟
ذُبحت على يد أحد الأفغان في جبال إدلب!


أين صارت حكاية الديمقراطية التي هُجّرت حمص وإدلب ودير الزور وحلب لأجلها؟
خطفها شيشاني من قادة جبهة النصرة في ريف حمص الشرقي، وباعها للقاعدة!
وأين صارت الدعوات إلى نبذ الطائفية وإلى الدولة المدنية التي نحلم بها جميعاً؟
فككها اللصوص شمال حلب وباعوها للأتراك بربع القيمة...
أين ذهبت أسطورة النظام المستبد سياسياً، الذي يضع بسطاره العسكري على رقاب الناس؟؟
نسيناها كلّنا ونحن نرى بأم العين مقاتل حمصي بطل، يفترس قلب أحد جنود جيشنا العظيم...
كنّا نهرب من رؤية الجندي، كونه في لا وعينا الجمعي " كان " يمثّل أحد أشكال القمع غير المدني:
الآن صرنا نهرب للجندي لأنه أضحى يمثّل لوعينا كلّه حضن الأمان من وجه جماعات شريرة، تقتل الأطفال وتشوي رؤوس الرجال...
كنّا نهرب من رجل الأمن ولهجته الساحلية المتميزة، فهو في عرفنا العام كان رمز الاضطهاد وصورة العنف غير المبرر؛
الان صار رجل الأمن يشعرنا بالطمأنينة، وهو يمد رأسه من شباك السيارة، طالباً بلهجته الساحلية المحببة التأكد من هوياتنا...
أطول عامين في عمر سوريا؛
أغرب عامين في عمر سوريا:
عامان كشفا المستور وقلبا المعايير؛
كنا نخدع أنفسنا بأننا شعب غير طائفي:
اليوم نمشي في الشوارع بلا خجل كذئاب مسعورة تعوي:
المسيحية ع بيروت
والعلوية ع التابوت!
كنّا نتحدّث عن التقدم والاشتراكية اللذين لا مكان لغيرهما في سوريا!
اكتشفنا أن جبهة النصرة هي أمنا الحنون..
كنّا نصرف الملايين على طلائع البعث؛ لنكتشف دون دهشة أن أطفالنا في إدلب العظيمة؛ يرتلون بلا خجل:
بدنا ندبح الشيعة
بكفريا والفوعة
انتهت الثورة أو، بدقة أكثر، بدأ فجر نهايتها:
انتهت الثورة وانهت معها أحلامنا بوطن أجمل،
بديمقراطية،
بحقوق إنسان،
بأمل جديد؛ 
انتهت الثورة بعد أن كشفت عن كوابيسنا الأبشع؛
بعد أن أظهرت للعيان حجم الجدري تحت المكياج الفاقع على الوجه السوري العجوز!
انتهت الثورة وكل عام وأنتم بلا ثورة:
في الماضي كتبنا أن الحراك المسلح في سوريا الثمانينات سيعود للانفجار من جديد لأن جذوره لم تستأصل قط.
اليوم نبشّركم أن الشعب السوري عموماً لن يفكر بعد اليوم بالثورة؛ ليس لأن الدولة حققت كل مطالبه في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل لأن الثورة صارت تتداعى في أذهاننا باسوأ أنواع القتل والخطف والاغتصاب.
الثورة؟ 
نعم...
رؤوس تشوى بلا خجل
قلوب تنهش نيئة حية
نساء تغتصب تحت شعار نكاح المجاهدة
سياسيون معارضون يبدلون ولاءاتهم كما يبدلون كيلوتاتهم، إن ارتدوها...
كنّا نحلم بوطن يحوله حراك سلمي إلى دولة تليق بعصرنا:
اليوم صرنا نخشى أن ننام كي لا نحلم – فبعد كوابيس الجبهة، صار النوم نوعاً من الجريمة!!!

نبيل فياض

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي على الحرية جنت " الثورة "