لماذا لن يسقط النظام؟

في بداية الحراك، وفي لقاء مباشر على " الجزيرة "، قلت إن النظام في دمشق لن يسقط. قد يسقط الوطن؛ قد يهجّر الناس؛ قد يقتل نصف الشعب ويهرب نصفه الآخر: لكن النظام لن يسقط.
استغرب المعارضون أن يكون النظام غير قابل لأن يسقط. وكانوا يقولون لي في زياراتي المتكررة على مدى عامين لقَطَر: " سيسقط النظام "؛ ثم يعطون تواريخ تؤجل زيارة بعد زيارة، كان آخرها 22 كانون الثاني 2012.

كانوا في اعتقادنا الأبعد عن فهم الواقع السوري الحقيقي، سواء أكانوا من المعارضة الخارجية أو من ممولي تلك المعارضة الخارجية. وهنالك فرق معرفي قاتل بين الحقيقة ووهم الحقيقة. هؤلاء يعيشون أوهام حقائق مَرَضية، بدل أن يقرأوا الواقع كما هو. هؤلاء يعيشون ما يسمى بعلم النفس wishful thinking، ولن يخرجوا منه إلا بصفعة تصحي الميت.
المسألة ذات وجه مزدوج: الأول مالي والثاني سلطوي. لا أحد في تلك المعارضة التي تحارب من فنادق النجوم الخمس – مثل معظم ما يسمى بالمعارضة الداخلية – من أجل إعادة الكرامة المهدورة والحرية المسلوبة للشعب السوري " العظيم " على استعداد لأن يدفع شيئاً من ملايينه اليوم من أجل مساعدة أرملة تستعطي في النبعة أو طفلاً يمسح السيارات عند شارات المرور في المرجة!! لكن يبدو أن كرامتنا وحريتنا صعب أن تستعادا دون تهديم المدن وسرقة الآثار ونشر العهر الطائفي وقتل شبان الجيش السوري وتحويل نصف الشعب السوري إلى شحاذين.
الوطن سقط؟ لكن النظام لن يسقط؛ الشعب تهاوى؟ لكن النظام اليوم في أقوى أيامه ومراحله. النظام قوي بأخطاء المعارضة؛ وكنّا كتبنا منذ بداية الأحداث أن أقوى ما في النظام معارضته: إنها النسخة الأكثر تشويهاً وقرفاً عن أسوأ الأنظمة.
كانت الأقليات ومعظم السنّة العرب ضد النظام، أو في المنطقة المحايدة؛ مثلنا تماماً. لكن ما أن رأى هؤلاء ذقون جبهة النصرة وقتل الأطفال واغتصاب النساء والتهام قلب الجندي وشي رأس الطيار؛ حتى صاح الجميع: نار النظام ولا جنة جبهة النصرة!
كان السوريون متعطشين للديمقراطية السياسية التي سقطت من التاريخ السوري ما بعد فرنسا منذ أن وطأت أقدام عبد الناصر مطار دمشق؛ خرج السوريون يهللون للحراك، إن صمتاً أو بصوت عال. فجأة، دون سابق إنذار، بدأ النباح الطائفي، بدأت عمليات القتل على الهوية، بدأ التسابق على السلفية بين الجماعات المسلحة!! قال السوريون: إلى أين نمضي؟ لا نريد ديمقراطية السلف الصالح ولا الخلف الطالح – نريد العيش، فالعمر لا يعاش مرتين؟؟
كان السوريون فرحين بالتغيير الذي قيل إنه نحو الحرية. لكنه كان التغيير الأبعد عن أبسط معايير الحرية. كان أسوأ تغيير تعرفه سوريا في تاريخها الحديث. عوام من أتفه الناس وأبعدهم عن المعرفة يمدون أيديهم إلى السلطة! رعاع من كافة الأصناف تجمعوا تحت جنح من الليل، يبحثون عن مال وجاه تحت عناوين مبهرجة! جواسيس من أخبث الأنواع يبحثون بلسان ممدود عمن يتبناهم، مقابل حفنة من مال. وكان أسوأ ما في الصورة ذلك الربط اللاواعي في عقل الفرد السوري الباطن بين الحرية وكافة صنوف الإذلال؛ كما هو الربط عينه بين التكبير وقتل الإنسان.
كلا أوغلت المعارضة الخارجية في ممارسة الذنبية؛ كلما أوغلت المعارضة المسلحة الداخلية في ممارسة الهند بنت عتبية؛ كلما زاد النظام قوة وشعبية.
الديمقراطية، بأبسط مفاهيمها، تعني صناديق الاقتراع؛ ونحن نتحدى المعارضة الخارجية المربوطة أرسنتها بين تقسيم والوكرة أن ترضى باللعبة الديمقراطية. الموالي سيتساءل: من قتل أخي؛ ابني؛ أمي...؟؟؟ المعارض السابق سيتساءل: من دمّر بيتي وسرق مصنعي وشردني بين عمّان والقاهرة وبيروت؟؟
أقوى ما في النظام معارضته – وكلما زاد ابتعاد تلك المعارضة عن قواعد الديمقراطية؛ كلما أظهر النظام تجاوباً مع تلك القواعد؛ كلما أدار الإنسان السوري ظهره لوجوه القتل والعمالة.

نبيل فياض