حقوق الإنسان في سوريّا -2

الجانب المعرفي

في الجزء الأول، تحدّثنا بالأمثلة الدامغة حول الوضع المزري لحقوق الإنسان الدينية في سوريّا. ولا شكّ أننا نأمّل مع بداية هذا العام أن يشهد هذا الوضع تغييراً نحو الأفضل، فسمعة سوريّا ودورها ومكانتها في الميزان. والواقع يقول إن أهمية سوريّا الحاليّة أقل بكثير من إمكانيات أبنائها الذين يبدو إبداعهم باهراً حين تتوفّر لهم الشروط الموضوعيّة للإبداع: وهذا، للأسف، نادراً ما يحدث داخل الوطن.

 

في هذه المقاربة سنتناول، عبر الأدلة الواقعيّة الذاتية ـلا كلام الإعلام السوري الذي يضع قدميه على الأرض ورأسه في عالم الماوراء ـ  مسألة الخلل في تطبيق حقوق الإنسان المعرفية في سوريّا، التي لم تعرف أدنى أشكال التطوير في ظل الحكم التوتاليتاري الذي يسود منذ أكثر من أربعين عاماً!

إن الترابط المعقّد بين المسائل السياسية ـ المعرفية ـ الدينيّة ـ الاجتماعية في سوريّا يلعب الدور الأوّل والأخير في هذا التردّي. فالواقع يقول، إن الحزب الذي يحكم سوريّا منذ أربعين عاماً ونيف هو حزب البعث العربي الاشتراكي؛ والواقع يقول أيضاً إن العلويين، الذين ظلّوا تابعين ومضطهدين ومقموعين مئات السنين، عرفوا في ظلّ البعث نوعاً من السلطوية، فاحتل بعضهم الواجهات الهامة في البلد لفترات لا بأس بها؛ ورغم أن غالبية العلويين كما عرفتُهم في قراهم البسيطة بعيدون نوعاً ما عن أشكال التطرّف ورفض الآخر المؤدلجة السائدة في صفوف السنّة، إلاّ أن بعض المسؤولين من العلويين ركبوا موجة الطائفية كي يخلقوا لأنفسهم شارعاً عامّاً داعماً؛ لكن الأزمة التي افتعلها الأصوليون من السنّة جاءت لتزيد من النفس الطائفي في البلد حيث اضطر العلوي غير المتعصّب إلى الالتفاف حول الطائفة خشية أن تقطع رأسه مقصلة الإرهاب السنّي. ولأن حزب البعث متهم بالعلمانيّة والإلحاد كحزب يساري اشتراكي (الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فحزب البعث بتركيبته الحالية هو أقرب ما يكون عموماً إلى حركة الأخوان المسلمين التي وقعت المذابح بينه وبينها)، ولأن العلويين منذ ما قبل أيام سيئ الذكر ابن تيمية مكفّرون ومخرجون من الملّة، فقد حاول الطرفان، البعثي والعلوي (كثيراً ما يكون البعثي علوياً أيضاً)، بعد انتهاء أزمة الأخوان استرضاء غالبيّة سنيّة تشعر ـ  شعور غير صحيح ـ  أنها ظلمت، من جهة؛ وردّ تهم الإلحاد والكفر عن الطرفين، من جهة أخرى: وذلك عن طريق تبنّي آراء مغرقة في الأصولية أو غض الطرف عن نشاط الأصوليين، خاصة الذين لا يشكّلون خطراً سياسيّاً على النظام. وهكذا، عرف المجتمع السوري ظواهر أصولية، مهادنة للدولة سياسيّاً ـ لأسباب تكتيكيّة في اعتقادنا ـ لكنها خطرة للغاية على المستقبل السوري معرفيّاً وحضاريّاً: مثل البوطي، أستاذ العقيدة في كليّة الشريعة بجامعة دمشق، الذي قد يعتقد من يتابع أحاديثه في التلفزيون السوري أنه منفتح وأقل إرهاباً من غيره، لكن قراءة مبسّطة لما يقوله أو يعلّمه في كلية الشريعة تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يفرّقه عن بن لادن هو الظرف الموضوعي: فالبوطي إرهابي كامن نائم وبن لادن إرهابي ناشط فاعل. وسوف أقدّم هنا أمثلة، كلّها ذاتيّة، تكشف من جهة حقيقة هذا البوطي الذي ينظر إليه أتباعه على أنه ثلاثة أرباع إله؛ وتكشف من جهة أخرى نفاقية الرقابة الإعلاميّة الرسميّة السورية التي لا يحسدها أحد على خروجها النهائي من الزمن:

أثناء عملي الصحفي، خاصة مقالاتي التي تناولت طوائف الشرق الأوسط بالبحث النقدي التاريخي، ارتأيت أن أحاور هذا الرجل في معرض الحديث عن السنّة السوريين. أعطيته أسئلة وردّ عليها بعد تردّد؛ بعدها نشر كتاباً بعنوان "هذه مشكلاتهم" توسّع فيه في الردّ على أسئلتي في عمل تجاوز المئتي صفحة: كان الكتاب، بسبب فشل البوطي في ردّ علمي دقيق مقنع على ما طرحته من تناقضات قاتلة في العقل السنّي،  ينضح بالافتراءات والألفاظ السوقية التي تخجل حتى اعتماد خورشيد من تسويقها. مع ذلك، رغم أنه لو كنت في دولة تحترم الإنسان لكان باستطاعتي سوق البوطي من أنفه إلى القضاء، لمّا أردت التعقيب على "هذه مشكلاتهم" والدفاع عن نفسي، رفضت الرقابة السورية، التي كان على رأسها درزي، الموافقة على نشر كتابي "حوارات" إلا بعد حذف فصل كامل هو "الجمل يحملهم إلى الجنة"، إضافة إلى جمل كثيرة وجدتها الرقابة غير مناسبة في حين لم تستطع رؤية ألفاظ البوطي الخادشة لحياء أقل الناس حياء. إذن، ونحن نسمع شكاوى بعض الرسميين وتأففهم من هذا الانتشار الرهيب للأصوليّة مؤخراً في سوريّا، فإن اللوم يجب أن لا يوجّه إلاّ إلى أطراف رسميّة أخرى: بعض القوى الأمنيّة التي عملت بذكاء غير خارق على ترويج الأسطورة البوطية (وغيرها) بين السنّة السوريين معتقدين خطأ أنه أقل سوءاً من الأخوان المسلمين؛ وبعض القوى المسيطرة بدكتاتورية مثقفة على الإعلام السوري، خاصّة ما يسمّى بمكتب الإعلام القطري، لصاحبه الرفيق أحمد ضرغام، الذي يسمح للبوطي بشتمنا وإهانتنا في بلدنا وهو الغريب المستورد، في حين لا يسمح لنا بردّ الاتهامات ودفع الشتائم.

دون تواضع أقول، إن أعمالي هي الأكثر توزيعاً في سوريا ولبنان، بل إن كتابي "أم المؤمنين تأكل أولادها" وزّع أكثر مما وزّعته كلّ منشورات ما يسمّى باتحاد الكتّاب العرب، لصاحبه المدعو علي عقلة عرسان الوهابي المتبعّث، رغم منع كتابي وسهولة وصول كتب هذا الاتحاد المريع إلى "قرّائه". إذن، لولا هذا الاضطهاد المعرفي الذي نتعرّض له كباحثين علمانيين ليبراليين، لأمكن لأعمالي وأعمال غيري ربما، أن تشكّل كفّة الميزان الأخرى المعادلة لكفّة الإرهاب الأصولي المستخدمة وحدها في شرائع الوزن المعرفي السوري.

سوف أضرب هنا أيضاً مثالاً آخر يوضح فداحة المأساة معرفيّاً: ففي حين تعاني سوريّا ديموغرافياً من قضيّة الانفجار السكّاني بحيث يمكن القول، دون مبالغة، إن الشعب السوري الذي يتكاثر كالأرانب لأسباب يلعب فيها الخلل المعرفي الاجتماعي ذو المتكأ الديني الدور الأول والأخير، يسمح لشيخ من القرون الوسطى المنتشرين كالهواء في سوريا هذه الأيام، المدعو نور الدين العتر، بإعادة نشر كتاب له مفرط في رجعيته (الأخوان المسلمون، مقارنة بالعتر ومن على شاكلته من حاخاميي وكر الإرهاب المسمّى بكليّة الشريعة في جامعة دمشق، حضاريون متحرّرون وربما ليبراليون) اسمه: "ماذا عن المرأة"!! في هذا العمل التحفة، الذي يحظى بموافقة ـ وربما تشجيع ـ الرفيق أحمد ضرغام، نجد آراء قاتلة من نمط أن الدعوة إلى تحديد النسل في البلدان الإسلامية ليست غير مؤامرة صليبية ماسونية صهيونية (المعزوفات التقدّمية الوطنيّة المثيرة للإقياء) هدفها إنقاص أعداد المسلمين كي يستعمرهم اليهود (للتذكير فقط: عدد اليهود في العالم لا يتجاوز 20 مليوناً، مقابل أكثر من مليار مسلم)، إضافة إلى تعارض تحديد النسل مع الحديث النبوي الشريف الذي يقول: تناكحوا تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم!!! (مصيبة إذا كان محمد سيفتخر على السويديين واليابانيين والبلجيك والألمان بأمم من نمط الأفغان والبنغلادشيين والباكستانيين.. والعراقيين الذين سرقوا تراث الإنسانيّة والمشافي ومقرّات الصليب الأحمر.. حالما رفعت عن أعناقهم الأغلال الصدّاميّة!!!) ليس هذا فقط، فالعلاّمة العتر يعتبر أيضاً أنه من المؤامرات الدنيئة على الإسلام دخول المرأة المسلمة سوق العمل: لأنّ مكانها البيت، كالأرنب المصابة بالإلتهاب الرئوي، حيث التفرّغ للجنس والإنجاب والتنظيف لا غير. ورغم أننا كديمقراطيين ليبراليين لا نمانع أن ينشر العتر خرافاته القاتلة بالطريقة التي تعجبه، لكننا نمانع حتماً أن تكون الساحة المعرفيّة ملكاً حصريّاً له ولأمثاله، لأن البلد ملك الجميع، والسفينة الآيلة للغرق بوجود ربانيين (على نسق الراب عوفاديا يوسيف) من نمط الرفاق المعتّقين وطبقة الأصوليين الجدد لن ينجو منها أحد مع اقتراب الكارثة الوشيكة.

هل يمكن أن نضرب مثلاًً ذاتيّاً آخر حول حقوق الإنسان المعرفيّة في سوريّا؟ ثمّة مؤسّسة تمتلكها الدولة، مثل صالات الخضار وأكشاك بيع الدخان الرسميّة، اسمها اتحاد الكتاب العرب. وهذا الكشك الثقافي يعمل لحساب رجل اسمه علي عقلة عرسان (بعض المثقفين السوريين يخشى ذكر اسم هذا الولي، فيكتبونه تورية ع ع ع ، مثل ب ب في فرنسا والمرحومة م م في أميركاً)! هذا الشخص، الموجود منذ الأزل في تلك المؤسّسة المتحفيّة، يحمل شهادة دكتوراة من معهد غير معترف به من أحد (قيل إنه أقفل لسمعته الأصوليّة غير العطرة)، والباقي في اتحاده حتى يتذكّره أحد الآلهة ـ إن تذكّره ـ هو أحد أبرز الأصوليين الإرهابيين الذين يجيّرون المعرفة، باعتقادنا، ويستغلّون نقود الشعب (ألم نقل إن مؤسّسته رسميّة؟) بكلّ طوائفه لخدمة عقليّة طائفيّة أو لمنافع آنية لا علاقة لها بالثقافة. لقد أراد بعض الأصدقاء من الصحفيين الليبراليين السوريين، حين كنت أدافع عن هذا الكائن الطالباني من منطلق ليبرالي لا يرفض الأخر المخالف، تكذيب آمالي به بالاقتراح عليّ أن أقدّم للعضويّة في كشكه: والشرط الوحيد لقبول عضوية أي كاتب أن يكون لصاحب الطلب كتابان منشوران! ولي تحديداً 22 عملاً منشوراً!!! الطريف أن المسؤول عن الطلبات في هذا الكشك أشار علي بأن لا أقدّم أعمالاً نقدية حتى لا يتضايق الدكتور!!! وكما قلت سابقاً، فإن كتاباً لي، كالجمل، عرف من الرواج الشعبي أكثر مما عرفته أعمال هذا الكشك مجتمعة. مع ذلك، فقد رفض بن لادن عرسان الطلب: ولمّا سألت المدعو ميخائيل عيد عن السبب، قال إن الأمن السياسي (أذكّر أن اسم الكشك: اتحاد الكتّاب) هو وراء رفض الطلب!!!!!

إن تفكيك هذا الكشك وطرد القائمين عليه هو أحد الشروط الهامة للنهوض بالوضع المعرفي السوري من كبوته القاتلة. وحين نسمع صرخات التأفف المكبوتة من انتشار الإرهاب الديني في سوريّا، فإن اتّحاد الكتّاب العرب هو أحد أهم الأمكنة التي يمكن أن نشير إليها باللوم الإتهامي على تبذيرهم لنقود الشعب على تفاهات شاعرات فارغات وأدباء لا علاقة لهم بالأدب وباحثين لا يبحثون إلاّ عمّن ينشر لهم غباءاتهم مقابل بضع ليرات يسترون بها بطالتهم المقنّعة. كان يمكن لاتحاد كهذا أن يكون الطليعة المعرفيّة المكوّنة لضمير الأمة ضد الطائفيّة والتخلّف والديكتاتورية: لكن مطالب كهذه يفترض أن تقدّم إلى أشخاص لهم علاقة بالبحث أصلاً ومعادين للديكتاتورية والطائفية والتخلف ـ لا إلى علي عقلة عرسان.

إنّ فتح ملفات اعتقال الثقافة في سوريّا على يد هؤلاء الطائفيين الدكتاتوريين الصغار، ومحاسبة أولياء أمور الثقافة على سرقتهم أموالنا ـ  هم يتثاقفون بنقود الناس ـ  وموقفهم المتفرّج على الانهيار نحو الأصولية، وإلغاء الرقابة إلا حين يمسّ الأمر أمن الوطن أو التعدّي على حقوق الإنسان: كلّ ذلك صار من أولويّات أي تحرّك جدّي لتغيير الوضع المعرفي السوري!

 

كانت فلسفة البعثيين دائماً: تأجيل الأزمات؛ لكن، كما يقول غراهام غرين، تأجيل الموت لا يمنعه.

  

نبيل فياض

تم النشر في  /الناقد/ annaqed.com بتاريخ Jan  5, 2004