النصرة هي الأخطر

في حوار قديم أيام الصداقة التي كانت مع فيصل القاسم سألت السوري " الدرزي " الأشهر: ألا تعتقد معي أن تيسير علوني، أحمد زيدان وياسر أبو هلالة، ينتمون إلى حركة الأخوان المسلمين؟ والثلاثة كما هو معروف كانوا من أهم مراسلي الجزيرة! أجاب القاسم بطريقته الكاريكاتيرية الأشهر: يا راجل! هؤلاء قاعدة! قاعدة! صدقني!

إذن، الجزيرة كانت توظف عندها أشخاصاً يعرف القاصي والداني أنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة الإجرامي الإرهابي. وحين يعترف القاسم ذاته أنهم كذلك، فالأمر يعني أن العلاقة بين الجزيرة والقاعدة قديمة قدم القاعدة والجزيرة على حد سواء. وما حصل بعدها لتيسير علوني وأحمد زيدان يثبت بالمطلق صحة ما ندعيه. بالمقابل، فإن أحمد منصور، وهو معاق إسلامي ثقافياً، لا يقل تطرفاً وقحة عن السابقين؛ ومن يشهد لقاءاته على محطة ترويج القاعدة القطرية تلك، يعرف كم من السم يدس في الدسم هذا الأمي الذي ينتحل دور المثقف!

من هنا، فاللقاء الأخير الذي قام به أحد إرهابيي الجزيرة مع الإرهابي، رأس الإرهاب، أبو محمد الجولاني، يأتي أقل من عادي ضمن هذا التسلسل التاريخي الجزراوي في دعم الحركات الإسلامية الإرهابية! – لكن للمسألة وجه آخر! ما هو؟ إنها تتساوق مع المحاولات التي يقوم بها الخليج والسعودية لتسويق جبهة النصرة كجماعة معتدلة تقاتل "النظام" السوري، بدعم تركي-سعودي-قطري، نادراً ما رأيناه في الحرب على سوريا، والذي أدى إلى سلسلة من الانتكاسات مؤخراً، أدت إلى نوع من الإحباط بين السوريين لم يعرفوه قط طيلة زمن الحرب.

بالمقابل، فجماعة الدولة الإسلامية الإرهابية اجتاحت تدمر من الشرق، وإن لم تقم بأية محاولة حتى الآن لتدمير الحجر، بعد أن ذبحت البشر، كل البشر! مع ذلك، فجماعة الدولة الإسلامية الإرهابية لا تشكل برأينا أي خطر على الداخل السوري، بعكس ما يعتقد كثيرون؛ وبرأينا أيضاً، فالخطر كل الخطر يكمن في النصرة، مهما حاول كثير من محللينا السياسيين التقليل من أهمية ذلك!

1 – داعش تحارب في الصحراء؛ والصحراء مكشوفة وشبه خالية من السكان؛ في حين تحارب النصرة في مناطق صعبة وكثيرة السكان!

2 – داعش تحارب في بيئة غير حاضنة؛ فرغم كل شيء، لا تدمر ولا دير الزور ولا الرقة، تستطيع " هضم " أسلوب الحياة الداعشي، وبالتالي فالدواعش يعيشون في مناطق مفخخة سكانياً؛ بالمقابل، ونتيجة لأخطاء الدولة الكارثية على مدى نصف قرن، البيئة في مناطق النصرة أكثر من حاضنة: مثلاً، بالمقارنة بين ريف إدلب وتدمر، الريف الإدلبي " طالباني " عموماً منذ زمن طويل، في حين أن تدمر هي الأبعد كسكان عن الطالبانية روحاً وطريقة حياة! دون أن ننسى أن المقارنة إرهابياً بين داعش والنصرة تبين أن الأخيرة أقل إرهاباً من الأولى.

3 – داعش مرفوضة عالمياً وبالتالي لا يمكن لها أن تعيش أكثر! داعش، برأينا، تنظيم إرهابي وظائفي الهدف من خلقه ضرب الإسلام في عيون البشرية! وقد نجح خالقوه في ذلك حين ربطوا في اللاوعي الجمعي الكوني بين الإسلام والإرهاب. بالمقابل، النصرة تحاول عبر بعض التصرفات الأخيرة [ التعامل غير العنيف مع مسيحيي جسر الشغور وتغيير اسمها إلى جيش الفتح ] التخلي عن الصيت الإرهابي سيء الذكر، وتقديم نفسها كمعارضة معتدلة. مع أن القاعدة تظهر بسهولة عند أول احتكاك جدي تحت الجلد النصروي!

4 – داعش محاصرة بين فكي كماشة جيشين هما السوري والعراقي؛ إضافة إلى ضربات التحالف الدولي التي نعتقد أنها أقرب إلى الاستعراض منها إلى الضرب الحقيقي! [ مثلاً: بعد أن قتل الجيش السوري أحد قيادات داعش الماليين، تدخل الأمريكان استعراضياً وخطفوا زوجته ]! بالمقابل، فالنصرة تقاتل مستندة إلى عمق استراتيجي هام هو تركيا!

5 – بسب سلوكه الإجرامي الأوضح، داعش تنظيم لقيط لا يقبل أحد أن يتبناه علناً؛ لكن النصرة بالمقابل، التي تتبنى نمطاً إجرامياً تكفيرياً باطنياً [ ما حصل في قرية اشتبرق مثلاً ] يجعل ثلاث دول معادية لسوريا، قطر والسعودية وتركيا، على استعداد لأن تتبنى علناً هذا التنظيم الإجرامي!

الخطر، كل الخطر، في النصرة!

داعش، رغم كل شيء، تنظيم وظائفي وقد أدى وظيفته بنجاح خارق!