وعادت القريتين... حرّة حزينة!!

حين توجهت في تموز 2013 إلى القريتين من أجل استهلال عمليّة تسوية في تلك المدينة التي هاجر إليها أسلافنا ذات يوم من شمال جزيرة العرب، كان يسكن ذهني آلاف الأسئلة حول عروس البادية السورية التي تركناها قبل عقود طويلة. في دير مار إليان الشرقي، عند الأب-المطران الذي "كان صديقاً"، جاك مراد، كانت إقامتي مع فريق عمل رافقني من دمشق.

كانت تسوية هامة، أجهضها "بعضهم" حين رُفِض طلب الشباب الآتين من جهنم النصرة وأخواتها إلى نعيم البلد – كما يسمّي القريتين أهلها – الحصول على كفّ بحث؛ فكان أن تراجع مئات الشبّان عن التسوية وانتهت المسألة بتركي البلد في أيلول والعودة إلى دمشق فبيروت.

كلّ من يعرف البلد يعرف تماماً دور ما يسمى برجال الدين المسلمين في بث روح الفتنة الدينيّة-الطائفيّة-المذهبية في تلك المدينة التي عرفت من محبة الدولة ورعايتها ما لم تعرفه غيرها من المدن السورية. لكن المسكونين بهوَس كراهيّة الآخر لم يكن يهمهم إلا إرضاء غرائزهم الطائفية الكريهة، وعلى رأسهم شيخ الفتنة الذي كان يغيّر لون أشرعته وفق اتجاه الريح.

قبل الأزمة بزمن طويل، كان واضحاً التحريض على المسيحيين القراونة من قبل بعض رجال الدين وأذنابهم. وهكذا، عرفت البلد السريانيّة الأصل هجرة راسخة لأبنائها السريان، باتجاه المهجر وحمص، خاصة زيدل وفيروزة. وقبل الأزمة بسنة ونيف تفجّر الوضع في القريتين ضمن نوع من التوافق الأشهر بين الفساد والطائفية.

رغم كل الدلال الذي عرفته القريتين من الدولة، بما في ذلك احتلال بعض رجالاتها لمناصب رفيعة للغاية خاصة أمن الدولة – كلهم من أقاربنا – فقد "هاشت" ضمن من "هاشو" من حثالة السوريين، وكان أبرز معالم "الحثاليّة" القروانية هو أن من تولّى قيادة القراونة في قتال الجيش السوري شخصيّات ساقطة أخلاقيّاً ومجتمعياً مثل تكتك ومحمد فرحان الصليبي.

عام 2015، أي بعد مغادرتنا القريتين بنحو من سنة وثلاثة أشهر، برز للغاية تدهور القراونة باتجاه التطرّف الديني الإسلامي الإرهابي، خاصّة بعد أن تم الضغط على الدولة من قبل شيخ التكفير إياه من أجل السماح للإرهاب الإسلامي باحتلال القريتين علناً، بعد أن احتلّها سرّاً منذ عشرات السنين؛ وتجلّى ذلك في الحوادث البارزة التالية:

1 – اختطاف الأب جاك مراد؛ وما زلت على رأيي بأن من اختطف الأب جاك هو الإرهابي الإسلامي علاء الدعفيس [عائلة تضم من الإرهابيين الإسلاميين الكثير] الذي اقترحت على الدولة توقيف امرأته الإرهابية التي كانت تقيم في القريتين، وهي من أقاربنا المقرّبين؛ وكان واضحاً تماماً أن القوى الأمنية وقتها كانت تعاني ما لا يوصف بسبب تسوية الشيخ إياه! ولم توقف زوجة الإرهابي الشهير!

2 – محاولة فرض الزي الوهابي على نساء القريتين بمن فيهن المسيحيات؛

3 – كعادة الإسلاميين، فقد حاول هؤلاء فرض الفصل بين الجنسين في التعليم؛ وكان واضحاً لكلّ ذي بصيرة أن الغالبية الساحقة من القراونة المسلمين كانت متعاطفة للغاية مع هذا التوجه، بل أذكر جملة لأحدهم وهو من القلة النادرة البعيدة عن التطرّف والذي كان يتساءل عن الزمن الذي سيتمكّن فيه من أخذ دير مار إليان من المسيحيين؛

ملاحظة:

في لقاء لي بعد أن غزت الدولة "الإسلامية" البلد بأقل من 48 ساعة مع أسر قروانيّة "بعثية"؛ أذكر أن زوجة أحد البعثيين البارزين في القريتين قالت بالحرف: "نحن لم نترك القريتين بسبب الدولة – تقصد داعش – بل بسبب النظام – تقصد الدولة السورية – الذي سيبدأ بالقصف دونما تمييز". فإذا كانت زوجة المسئول البعثي القرواني تتحدّث على هذا النحو، ماذا يمكن لغير البعثية أن تقول؟

4 – في الأشهر الأولى من عام 2015، اتصل بي كثير من الشبّان المسيحيين وقريب لي أوحد من القريتين لإخباري عن ممارسات الإسلاميين التي وصلت حدّ التدخّل بقصة الشعر وشكل القميص والبنطال. وكانوا كلّهم من أسقط البشر وأبعدهم عن العلم والثقافة والأخلاق!

5 – اغتيال الصديق البعثي فراس الصالح ومن ثم اغتيال الدكتور مناف الزرير على يد "ابن عصص"، الذي قُتل أبوه، المؤذّن الساقط أخلاقيّاً قبلها بمدة حيث عثر عليه سكراناً ومغتصباً من قبل ثلة من أقرانه، وهو الذي كان قد دخل مرحلة الشيخوخة وقتها.

وهكذا، ضاعت القريتين، رغم أنه كان يفترض أن يوضع حدّ لهؤلاء المجرمين الأميين الإرهابيين، وهو ما أدى إلى تدمير البلدة خاصة الدير-حلمنا وسرقة آثارها في وادي العين حيث أخبرني الأب جاك عن "تركسات" هاجمت المدينة الأقدم ودمّرت ما يمكن له أن يكون واحداً من أهم الكشوفات الأثرية في وطن الحرف.

لن نغفر تدمير البلد أبداً.

إن أفراداً بعينهم، عائلات بعينها، لعبوا دوراً لا ينسى في تدمير البلد. وكي لا ينسى القراونة؛ نذكرهم بأن عائلات مثل:

المعاطي، عبد الرحيم، الدروبي، الدعفيس، عمّاش، العبيد، الصوّان... كانوا أوّل وآخر من أشعل نار الفتنة [لا نتحدّث هنا عن العوائل بأكملها بل عن أفراد منها] حتى أوصلوا تلك البلدة الآمنة إلى هذا المستوى من الدمار والتخريب!

لقد دمّر إرهابيو القراونة الإسىلاميّون حتى قبور أهالينا في البلد – نبشوا جثمان القديس إليان، بحقد لا يجارى؛ وكانت اللحظة الأصعب وقت رأيت كتب مكتبة الدير، التي رتبتها وعايشتها على مدى شهور، ممزقة على شاشات المحطات.

تحرير القريتين رائع؛ لكنه غير كاف.

نحن نطالب بأن يُحاسب كل من ساهم في تدمير الإرث الحضاري في البلد؛ نحن نطالب بالقبض على كل من يمكن القبض عليه من إرهابيي "الدولة والنصرة" من قراونة، ومحاكمته علناً بتهمة تدمير التراث الإنساني، عبر تدمير واحدة من أقدم الحواضر في سوريا العظيمة.

ملاحظة:

أعرف أن إرهابيي القراونة سيتبرعون بالشتائم واتهامنا كأسرة بالإرهاب الإقطاعي والإلحاد وكراهية الدين!

نعم! نحن إقطاعيون بأخلاق الإقطاعيين وكبرياء الإقطاعيين!

نحن ملحدون لأننا نفكّر! فالإلحاد فكر والدين غريزة!

نحن نكره الدين لأن الدين دمّر الحضارة – من لا يصدّق، أنظروا ما فعل الإسلاميون بدير مار إليان!

يكفينا فخراً، كعائلة فيها الموالي للدولة والمعارض للنظام، أننا لا نضم في شجرتنا الصغيرة اسماً محسوباً على الإرهاب الإسلامي – باستثناء تلك المرأة التي زوجتها أمها القروانية من رجل داعشي من آل دعفيس، كما أشرت!

عاشت سوريّا.

عاشت حصر عينان!!!

المجد لمار إليان!