السوريون... وضرورة العلامات الفارقة!

أقيم شخصيّاً علاقات قديمة مع سودانيين، وأعرف عن هذا البلد الجميل – قبل أن يدمره البشير وإسلاميوه الإرهابيون – ما لا يعرفه بعض من أهله. في السودان ثمة عادة أوشكت على الاندثار، وتتجلّى في شطب الوجوه بطريقة معينة، تجعل السوداني من قبيلة ما يتعرّف مباشرة على أخيه في الانتماء القبلي من خلال تلك الخدوش المنفّرة!

ملاحظة غير مؤدّبة:

أثناء إقامتي [نفيي] في الناصرية تعلمت أشياء كثيرة تتعلّق بالحياة البدويّة، منها أن رعاة الأغنام كانوا يصبغون ظهور أو مؤخرات أغنامهم بطريقة معينة تجعل من السهل جداً على الشخص التعرّف على غنمته؛ وأحياناً كانوا يشطبون آذان الغنم للغرض ذاته. وحين نقارن بعض العادات البشرية بما يُمارس على الحيوان فهذا لا يعني الإقلال من قيمة الإنسان، فالإنسان أذكى الحيوانات لأنه أضعفها.

في سوريا، ومنذ زمن طويل، كان واحدنا، مثل الخروف أو الجدي، يسأل أولاً إلى أي قطيع ينتمي؛ بما في ذلك أصحاب الشهادات العليا، الذين لا يقتنعون حتى الآن أنه يمكن للمرء التخلّي عن القطيع، والشرود بعيداً، وإن كان ذلك يعرّضه، كما هي الحال في عالم البراري، إلى الذئاب والدببة!

قصة معبّرة حقيقية:

غادرت إلى جونيه لدراسة اللاهوت قبل أن أذهب إلى المعسكّر الطبّي الصيدلاني الذي لا يمكن الحصول على الشهادة دونه. ولما عدت بعد سنوات من أجل الحصول على شهادة من جامعة دمشق، قال لي الصديق الدكتور الرائع، زهير البابا، يجب أن ألتحق بمعسكر طبي صيدلاني؛ وبالفعل، التحقت بمعسكر كان مركزه درعا. ولأنه لا أحد يعرفني في المعسكر، فقد أقمت في غرفة مع شاب سنّي من دير عطية [طبيب من آل حديد]، وبسبب وجودي في الكسليك، التف حولي الشباب الكاثوليك، خاصة الموارنة، لكن أقرب المقربين إلي كان طبيباً درزياً من آل موّال. وكانت الحافلات مقسّمة بحسب الانتماء الطائفي؛ وكنت كشخص بلا طائفة أو دين أركب أية حافلة أدعى إليها. فجأة، طُلبت من قبل أمن المعسكر، وكانوا من أمن الدولة. في الغرفة الواقعة أمام باب المبنى الكبير [أذكر أنه كان دار المعلمين]، قال لي عنصر الأمن الدمث، بلونه الأسمر وشاربيه الكبيرين: "لماذا لم تخبرنا بحضورك؟" اعتقدت أن الأمر يتعلّق بوجودي في الكسليك. سألته: "لماذا؟". قال: "أنتم لكم معاملة خاصّة!" وحين استفسرت أكثر، تفاجأت بالرجل يعتقد أني من الطائفة اليهودية؛ فضحكت وقلت له: "هل تعرف الضابطين في أمن الدولة نزيه فياض ومحمد خير صالح؟" أجاب: "طبعاً". قلت: "الأول عمّي والثاني ابن عمة والدي". اعتذر الرجل مرتبكاً، فعلّقت: "يظهر أن من لا طائفة له في سوريا يعامل كاليهود!!".

هذا حصل قبل أكثر من ربع قرن؛ وما كان مخفيّاً بفعل القوة الأمنية الضاربة، صار اليوم أوضح من عين الشمس. بل إنهم لا يستوعبون، بما في ذلك مثقفون "كبار"، أن يكون الإنسان بلا طائفة. من هنا، يسألك أحدهم، إذا كان اسمك – لا يشبه وشم المعزة – بلا هوية طائفية، عن بلدك؛ ثم حيّك، ثم أقاربك. وكلّه دوران تافه من أجل معرفة نوعية القطيع الذي تنتمي إليه. لذلك نتمنى على السوريين تبني ألواناً بعينها يصبغون بها ما ظهر من أجسادهم كي لا يتعبوا كثيراً في تحديد نوعية القطيع الذي ينتمي له واحدنا.

الطائفية، بكلمات أخرى، هي عودة غبية إلى زمن البهيمية حين كان الإنسان مجرّد نوع حيواني ضمن أنواع أخرى!

عاشت سوريا أم الحرف... وسيدة الذاكرة!

لولا سوريا ما كان للبشرية حرف، ولا كان ذاكرة.

المجد لتانيت!