مقالة لاهوتية: بولس كهيرودسي



روبرت آيزنمان - معهد الأصول اليهودية المسيحية - جامعة ولاية كاليفورنيا في لونغ بيتش

هناك مواد في العهد الجديد، في أدب الكنيسة القديم، الأدب الرباني، ويوسيفوس، والتي تشير إلى صلة ما بين بولس وما يسمى بالهيرودوسيين. هذه المواد توفر معلومات قيمة حول المشاكل المتعلقة بأصول بولس، جنسيته الرومانية، والسلطة التي من الواضح أنه كان يتمتع بها في القدس عندما كان شاباً، والفحوى "الهيرودسية"  لمذاهبه ( ونتيجة لذلك الفحوى الهيرودسية لمذاهب  العهد الجديد) والتي  تصوّر مجتمعاً كان سيتمتع فيه كل من الإغريق واليهود على قدم المساواة بالوعود والامتيازات ذاتها.



ما نعنيه هنا بمصطلح " هيرودوسي " هو ميل ديني-سياسي غير معاد لأهداف العائلة الهيرودوسية، ليس فقط في فلسطين، بل أيضاً في آسيا الصغرى، بل وحتى في روما، وربما أنه يتضمن علاقة جينولوجية [ نَسَبية ] أيضاً. الأمثلة على تأثير مثل هذا التوجه المعبّر عنه بأثر رجعي تاريخياً في الأناجيل هو التكرار الغريب لموضوعات تصور المسيا اليهودي وكأنه يرغب بزمالة مع "الخطأة" ( بولس في غلا 2 :1 للـ "أغيار") ، "العشارين" ( ويفترض أن الأنظمة الغذائية اليهودية كانت غير ذات شأن  لهؤلاء الأشخاص) ، "العاهرات" ( تعبير ملطف برأينا عن " الزناة " وفق التعريف القمراني/ اليعقوبي، أي، أولئك الذين حددوا قواعد تقنية للطهارة الطقسية بشكل مختلف عن الباقين أو بطريقة أقل صرامة منهم )، " وجامعي الضرائب " ( الأشخاص المتناسبون على نحو مريح مع الفلسفة السياسية التي أعلنها بولس في رومية 13 )، ونمط كامل من الإشارات أخرى مثل " الأول سيكون الأخير "، " هؤلاء الصغار "، " هؤلاء البسطاء "، والمسيا على أنه " شارب خمر " ( يفترض بالتالي أنه متميز عن الأنماط النصرانية الشهيرة التي عاشت طويلاً لكل من أخيه يعقوب، يوحنا المعمدان، والغامض " بانوس "، وربما معلّم قمران الصالح أيضاً ).

في أحد الأعمال الأخيرة ، لم أبرهن فقط بأن الأولوية يجب أن تعطى إلى الأدلة التاريخية والأدبية أكثر من الأدلة الأثرية وpalaeographic من النوعية التي توجد في قمران ، لكني حاولت أيضاً تجسيد التوجه السياسي الأساسي (وبالتالي الديني) لقمران كمعادية للهيرودسية. الأمر الأخير يسمح لنا بالوصول إلى تحديد تاريخي ونصي موائم لوثائق قمران هذا غير الأصداء الهامة بالنسبة للبحوث الإنجيلية. والتقليل من شأن ذلك، في اعتقادي ، هو واحد من أخطر العيوب في بحوث قمران. لقد أعدت أيضاً تعريف مصطلح " فريسيين " كنوع بمعنى " من يسعى إلى تسوية مع الأجانب" وذلك لسببين : أولاً ، كي نأخذ بعين الاعتبار من اعترفوا هم بذاتهم على أنهم " فريسيون "  مثل بولس ويوسيفوس، وثانياً، للربط بين هؤلاء الأشخاص وغيرهم بالاطنابات القمرانية مثل "الباحثين عن أشياء ناعمة". ما أعنيه بهذا هو أنني لن أدعو بالفريسيين أولئك الذين يعرفهم التلمود أو يوسيفوس على هذا النحو، بل أولئك المعرفين كذلك بسبب موقف مستوعب للحكم الغريب وبعض من تشعباته الهامة، مثل قبول هدايا أو قرابين بالأصالة عن الغرباء في الهيكل، أو تعيين هيرودوسي أو غريب كاهناً أعظم، إلخ.

في عدة وثائق وسياقات ، تزودنا قمران بتحالف أساسي أو طريقة تعايش بين جماعات يشار إليها على نحو متنوع على أنهم "الخونة" / "جماعة الخونة" (bogdim) ، و "الباحثون عن أشياء ناعمة " ، و "رجل الكذب" / "المتدفق منه الكذب" ، "الكوميدي" ، "الثرثار" ، "الزنبور على الحائط" ، و "الجماعات العنيفة" / "العناصر العنيفة من الأغيار" ، "رجال الحرب" ، و " بسطاء أفرايم" / "بيت افرايم" ، وغيرها. هذه الإشارة الأخيرة، التي نجدها في Pesher פשר [ تفسير ] ناحوم في سياق مشاكل مختلفة متعلقة بالفترة التي كان فيها  الباحثون عن الأشياء الناعمة يسيطرون على القدس، مرتبطة أيضاً " بلسان كاذب " ضلل كثيرين، مشاكل لرسل ما وراء البحار، إشارة إلى " مدينة الدماء "(التي كانت في Pesher حبقوق مرتبطة أيضاً بمشاكل أيديولوجية مع " الكذاب " )، وعبر استخدام التعبير  nilvu  (أي ،" الانضمام ") ، إلى الأغيار. انها تشابه أيضا تعبيراً آخر ، " بسطاء يهوذا" / "فاعلو التوراة في بيت يهوذا" / "الفقراء" / "العديدون" الذين يقوم المعلّم البار نيابة عنهم بأعمال تبرير مناسبة.

في العمل المسمى، " المكابيون، الصدوقيون، المسيحيون وقمران " ( 1983 )، طابقت على الأقل بين أولئك المشار إليهم بعبارة، " العناصر العنيفة من الأغيار " وبين رجال الحرب الهيرودوسيين المنشقين ( ربما أنهم يتماثلون جزئياً أيضاً مع أولئك الذين يدعوهم يوسيفوس "Idumaeans" ) الذين يدعمون الانتفاضة في البداية ومن ثم يهجرونها. جنبا إلى جنب مع يوحنا الإسيني، نجدهم في الأيام الأولى من بين القادة الأشجع للثورة العسكرية وكانوا سيظهرون  وهم يأخذون سياستهم العسكرية على نحو أكثر ممن يسمون " بالغيورين ". بين هؤلاء أريد أن أدخل مونوبازوس، ابن الملكة هيلين، الذي قتل في هجوم على سيستيوس  Cestius، نيجر بيريا Niger of Perea ، أحد قادة أدوميي  Idumaeans    يوسيفوس، سيلاس (قريب أيضاً للعائلة الهيرودسية – تربّى ربما مع  أغريبا الأول وفي التحليل النهائي هارب من جيش أغريبا الثاني) ، وربما حتى فيليب (رئيس الحرس الشخصي لأغريبا في قيسارية). في الوقت نفسه ، كانوا على الأرجح على علاقات وثيقة مع شخص يسميه يوسيفوس "سالوس Saulus   " ، وهو "أحد أقارب أغريبا"، السليل المحتمل لمعتنق للدين اليهودي من الأدوميين Idumaean اسمه كوستوباروس Costobarus ( الأدومي "Idumaean" الحقيقي في علم الأنساب الهيروديسي) ، على الرغم من أنه كان العضو الرئيس في المعارضة " السلمية " الموالية لروما وقد انتقل بين أغريبا الثاني و"جميع أولئك الراغبين بالسلام" والذين دعوا الرومان فعلاً لإرسال جنودهم إلى المدينة لقمع التمرد.
إن محاولات بولس الأساسية لتأسيس جماعة حيث يتمتع اليونان والعبرانيون على حد سواء -  أو كما يقول في بعض الأحيان ، " أولاً اليهود ، ولكن اليونانيين أيضاً " (روم 22:3؛ 1 كو 13:12؛ إلخ ) – بما هو متعادل من وعود وامتيازات، روحانية أم غير روحانية، ومساواة دائمة في مسألة اللاهوت الخلاصي، هي محاولات موثقة جيداً. تعتمد هذه الكوزموبوليتانية على موقف أكثر تساهلاً من الشريعة ( مقابل المذهب البنائي الصارم عند قمران ويعقوب، مقاربة " حرف واحد أو نقطة واحدة ")؛ أمثولة التبرير بالإيمان وحده ( مقابل الإصرار، في lQpHab 8، على سبيل المثال، على الشريعة كشرط أساسي للتبرير )؛

عداء مفتوح للختان التي وجدت استجابة متعاطفة بلا شك من بعض الحكام "الآسيويين" ، مثل أنطيوخس من Commagene ، هيلين والدة مونوبازوس Monobazus من ولاية أديابين Adiabene ، وأزيزوس من إيمسيا [ حمص ] Azizus of Emesa ، التي تزوجت دروسيلا بعد أن خُتن فقط لتطلّقه، وبوليموس من كيليكيا Polemos، والذي طلقته بيرنيس Bernice بعد أن خٌتن، ( الذي يخبرنا يوسيفوس أنه تزوجها بسبب " ثرواتها " العظيمة )؛ ونهج متساهل في المسائل المتعلقة بالطعام -  كما يقول بولس  في 1 كورنثوس  19:9وما يليها، في نقاشه لعبارات يعقوب في وصايا " مجمع القدس "، على الرغم من احتجاجاته المخادعة بعض الشيء عن عدم رغبته في أن يكون سبب "عثرة" أخيه : " كلوا من كل ما يباع في السوق، غير باحثين عن شيء من أجل الضمير.  " ( 1 كو 25:10 ) (" الضمير " في رأيه كناية عن الشريعة؛ قارن، تلميحه إلى النباتية مثل سلوك يعقوب بأنها " ضعيفة " ).

أحيانا في تلميحات مثل "يهودي لليهود" ، " نلعب السباق لنربح " ، وغيرها (1 كو 19:9وما يليها) ، يبدو بولس وكأنه يستدير بهذا إلى  "اليونانيون أولاً ، لكن اليهود أيضاً. " عندما يتحول هذا الاتهام ضد "الأغنياء" لقتلهم "البار" كما في 6:5 الى اتهام ضد اليهود في تسالونيكي الأولى 14:2 ، فهو إنما يقفل الأبواب فعلاً في وجه اليهود. هذا الاتهام، الذي يتوازى مع فحوى انقلاب الألفاظ المجازية السابقة حيث يتم تصوير " الزناة " و " جامعي الضرائب "، إلخ، بأنهم على علاقة حميمة مع المسيا، كان قد تم تمثله على نحو استعادي في العهد الجديد، فأفسد بالتالي نسيجه التاريخي.

إن رفاق بولس في ترحاله وأقرب المعاونين إليه بعد تركه للرسل اليهود هم عادة يونانيون-يهود مثل تيموثاوس ( = طيطس ؟ )، الذي كانت " أمه يهودية " من النمط الهيرودوسي والتي تحمل مثل بولس الجنسية الرومانية، سيلاس ( سيلفانوس ؟ ) الغامضة، إلخ. هذا المزيج هو أنموذجي  للجيل الثاني من "الهيروديسيين " ، أو على الأقل أولئك المنحدرون من ماريامنه Mariamne. الدم اليهودي للجيل الثالث من الهيروديوسيين مثل أغريبا الأول، أخته هيرودياس، وأخيه هيرود الحلقي، كان قد خُفّف أكثر. وكانت الجماعة " المسيحية " في أنطاكية، حيث دعي المسيحيون للمرة الأولى مسيحيين (أعمال 26:11) -  لغة محلية مناسبة لبلورة هذا المصطلح - تضم ، حتى وفقاً للحسابات التاريخية لسفر الأعمال المشكوك فيها، أشخاصاً مختلفين من هذا الخليط " الهيرودوسي ". وبين هؤلاء على واحدنا أن يُشمِل " نيجر " الملفت للنظر، " لوكيوس القيرواني "، الذي من المرجح جداً أنه كان رفيق بولس في السفر الشهير لوقا، و"مناين الذي تربى مع هيرودوس رئيس الربع " ( سفر الأعمال 13:1 ).

رغم أن المذكور أخيراً ربما يكون قد تم تشويهه ( أو تشويهه على نحو مقصود )، فالأمر يشهد لنا على أنه من بين أولئك الموجودين في أنطاكية كان ثمة هيرودوسيون. سيلاس لا ذكر له، لكننا لاحظنا للتو سميّاً أو سميين له عند  يوسيفوس. لقد أحضر " الشيخ " إلى أغريبا الأول. وقد تم إعدامه من قبل هيرودوس الحلقي بعد أن سجن لأنه تصرف حيال أغريبا بطريقة حميمة أو بأسلوب ثوري. " سيلاس الأصغر "، إذا كان ممكناً بالفعل تمييزه عن الشيخ، يتجسد بشكل عجائبي مادياً مع نيجر كواحد من أبطال الثورة اليهودية مع يوحنا الإسيني ومونوبازوس، ابن الملكة هيلين. انه يمثل نمط المحاربين الأغيار / الأدوميين / الهيرودوسيين الذين تركوا الانتفاضة حين ضاع كل شيء والذين تمكنت من تحديد هويتهم في موضع آخر وذلك من خلال مصطلح   عريزاي غوئيم في 4QpPs 37  الذين ينتقمون من الكاهن الشرير على موت المعلم الصالح.                                           

حيثما يكون اتساق مجموعة انطاكية هو المهم، يضيف سفر أعمال الرسل ( 13:1 ) اسم " ساولوس [ شاول ] مباشرة بعد وصفه للعلاقة بين مناين وهيرودوس رئيس الربع. لا نعتقد أن سفر أعمال الرسل اكتفى فقط بتشويه مواده وأنه كان يعني " بهيرودوس رئيس الربع " هيرودوس الحلقي، الذي خلف أخاه/ أخاه بالرضاعة أغريبا الأول عام 44 ( وقت مات ثيوداس واعتقل " شمعون بطرس )، نجد أنه من المغوي تحويل المواقع واعتبار أن ما يقال حول الإرضاع إنما كان يتعلق بساولوس وليس مناين. " مناين " بأية حال شخصية مشوهة. وعند يوسيفوس / جوزيبون رواية تعرفنا بشخص اسمه " مانّايوس " ابن أو ابن أخ لازاروس أو سيروك الذي هجر يوسيفوس إلى طيطس، ويعرف سفر الأعمال 16:21 شخصاً اسمه مناسون، الذي يرافق بولس في رحلته الأخيرة إلى القدس، لأن عنده تسهيلات للإقامة هناك، مع أن سفر الأعمال يعتبره قبرصياً. بأية حال، فإن أكثر التحديدات الشخصية جدارة بالتصديق من بين زملاء بولس المقربين هو الاسم شبه الجناسي، حنانيا، الذي يصوره سفر أعمال الرسل وهو يرحب ببولس في " دمشق " والذي نجده في عداد مجموعة أنطاكية. من الجدير ذكره هنا أن يوسيفوس، أيضاً، يعرف داعية اسمه " حنانيا " ناشطاً  في " الشرق " في هذه المرحلة. فهو يدخل بين نساء أديابينه ويهدي إلى الدين هيلين، في حين تأخذ خطاً بولسياً مفتوحاً في مسألة ختان ابنها. في هذه الرواية، يذكر يوسيفوس أيضاً زمالة حنانيا متبعاً المقاربة ذاتها، لكنه يفشل في تسميته. ورغم أن هذه النقاط بحد ذواتها غير ذات صلة على نحو خاص، فهي مع ذلك تستحق الإشارة إليها.

  حيثما تكون مسألة الأهداف السياسية للأفراد في هذا المزيج الهيرودسي هي المعنية، فالاجتياحات الهيرودوسية عبر الزواج وغيره من الوسائل في " آسيا الصغرى " (التي نشير إليها في مكان آخر بكيليكيا) و" أرمينيا السفلى " ( التي يمكن الإشارة إليها على نحو غير دقيق باسم كيليكيا والتي يمكن أن تتضمن كوماجينه أيضاً ) كانت تتزايد  حتماً في منتصف القرن الأول. هنالك أيضاً مذكرة بالأنشطة التآمرية ضد روما حيث يكون المعني بذلك أغريبا الأول وأنطيوخوس الذي من كوماجينه ( مع أنه ليس أغريبا الثاني وعمه هيرودوس الحلقي ). أنطيوخس، الذي ألقى باللوم في روما بسبب وفاة ابنه ، قاد في نهاية المطاف الثورة في أعقاب الحرب اليهودية. أرسطوبولوس، ابن هيرودوس الحلقي، الذي مثل أغريبا الأول كان يصرح بفخار عن مشاعره الوالية لروما على عملاته، جعل نفسه مفيداً جداً للرومان في مساعدتهم على قمع هذه الثورة. وكثير من هذه المناطق، أيضاً، كانت مسارح لعمل بولس التبشيري الأولي الأكثر عدائية.

يجب النظر إلى أرسطوبولوس على أنه واحد من الدائرة الداخلية حول طيطس ( إضافة إلى طيبريوس ألكسندر، يوسيفوس، بيرنيس، أغريبا الثاني، وغيرهم ). وكان متزوجاً من ابنة هيرودياس صالومه ( الذي وضع صورته بكبرياء على العملة الخاصة به ). وفي حين أن هذا بالمعنى الدقيق للكلمة ليس مثالاً لزواج من ابنة أخ أو أخت منزعج منه في قمران وممارس على نحو واسع من قبل الهيرودوسيين، فهو قريب جداً منه. من المثير للاهتمام أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار علاقات هذه العائلة مع الابارش Alabarch  المتهلينة في الاسكندرية. العائلة الأخيرة كانت تسيطر على إهراءات القمح مطلقة الأهمية وكانت فاعلة في وصول فسباسيان إلى السلطة. أحد الذين انحدروا منه، طيبريوس ألكسندر، الذي صار وكيلاً في فلسطين بعد وفاة هيرودوس الحلقي، كان أحد القادة العسكريين لطيطوس في القدس. ويوسيفوس، الذي كان يفهم هذه المسائل جيداً، لفت النظر بشكل خاص إلى ارتداد طيبريوس عن اليهودية، مثلما فعل مع ارتداد بيرنس، عشيقة طيطس. طلقت أخت بيرنس الثانية ماريامن زوجها الأول كي تتزوج الابن الثاني لألابارش، والذي ربما يكون شقيق الزوج الأول ( إن لم يكن من هذه العائلة، فتلك حالة أخرى في زواج الأغيار ).  

ابنة أغريبا الثالثة، دروسيلا، بعد تاملها في الزواج من ابن الملك أنطيوخوس، تزوجت أزيزوس الذي من حمص لأنه وافق أن يختتن ( في حين لم يختتن ابن أنطوخيوس ). بعد عرض تلك الانتهازية الساخرة النمطية جداً عند الهيرودوسيين، طلقته دروسيلا عند مبادرتها للزواج من فلكس، زواج تم التواطؤ عليه في قيصرية من قبل شخص والذي لا يمكن أن يكون غير شمعون الساحر Simon Magus  سيء السمعة ( مثل " مناسن " الذي فيه بعض الجناس معه، كان هو أيضاً " قبرصياً " ). خدمة شمعون المنفردة لفيلكس كانت في أن يقنع دروسيلا بأن تطلق زوجها السابق. في هذه الرواية تبرز مقولات عديدة والتي هي ذات أهمية قصوى من أجل تأريخ وثائق قمران وفهم الجوهر الحقيقي لنقدهم للمؤسسة. بل أن يوسيفوس، الذي عادة ما كان متكيفاً مع هذه الأمور ( وهو أيضاً طلّق زوجة له، بعد أن وجد لاحقاً أن الأعراف الهيرودية موائمة للطبع البشري )، يصف تطليق دروسيلا لنفسها من ملك حمص بأنه مناف " لشرائع أسلافنا ". يعلّق يوسيفوس بطريقة مشابهة حول طلاق تم قبل المشار إليه آنفاً من قبل هيرودياس، والذي هو جذر المشاكل المتعلقة بموت يوحنا عند كل من يوسيفوس والعهد القديم. هذان الطلاقان سبقهما طلاق أخت هيرودوس صالومه من كوستوباروس الأدومي، وهي مهمة جداً في كل علوم الأنساب التي عندنا ويمكن مقارنتها بأمور مشابهة حصلت على يد ماريامن ( مذكورة آنفاً ) وبيرنيس من بوليموس كيليكيا لتعاشر طيطس ( وهو ما كان سيورطها في شجب ثنائي الشعب في قمران، بغض النظر عن ثرواتها والإشاعات حول علاقتها غير الشرعية مع أغريبا الثاني والتي يذكرها يوسيفوس في معرض حديثه عن قصة بوليموس ). يظهر بولس أيضاً معرفته بهذه النوعية من الطلاقات وذلك في معرض نقاشه ليعقوب في " مجمع أورشليم " حول التوجيهات المتعلقة " بالزنا " في رسالة كورنثوس الأولى، 7: 10 وما بعد، لكن من المهم ملاحظة أنه لم يدنها. عوضاً عن ذلك، نجده يصفع بنعومة معصم المرأة المخالفة من خلال إمساكها عن مزيد من الزواج دون أن يخصص إجراءات عقابية أخرى.

من المهم أن نستوعب أن قمران تدين الطلاق عموماً. الاستهجان هناك مرتبط بتحريم تعدد الزوجات وهو يعتمد على مراجع في وثيقة صدوقية إلى خلق " الذكر والأنثى " وإلى شواهد حول " إثنين إثنين " في سفر التكوين. وحيثما يكون الحاكم هو المعني، يتحد لدينا بأسلوب تثنوي لا بأس به في كل من مخطوطة الهيكل والوثيقة الصدوقية تحريم أن تجعل " غريباً عليك " و" الزوجات المتعددة "، والتحريم الإضافي للزواج من غرباء، وكل ذلك له نتائجه الهامة حين يكون الهيرودوسيون المعنيين بالأمر. مع نهاية مخطوطة الهيكل يتطور الموضوع باتجاه أكثر عمومية ويتم اعتماد تحريم زواج ابنة الأخت أو ابنة الأخ. في العديد من الأمثلة السابقة المتعلقة بالسلوك الهيرودوسي، يمثل الأخير جزءاً أساسياً من المشكلة. هيرودياس، أخت أغريبا الأول، لا تتزوج من عم واحد، بل من عمين، وفي الوقت ذاته تجلب لنفسها الإدانة بسبب الطلاق مرتين على الأقل. ورغم تأملات العهد الجديد، ليس للزواج اللاوي [ عادة يهودية تجبر أخا المتوفى من غير عقب على الزواج من أرملته ] أية علاقة بالمشاكل المتعلقة بها.   

ليس فقط أن فلسفة بولس السياسية الموالية للرومان والتي إن توسعنا فيها سنجدها موالية للهيرودوسية خالية من التوجه العام لأنشطته التبشيرية في سفر الأعمال، فالأمر يتوضح في صياغته لهذه الفلسفة في رسالة روما 13. من الصعب علينا أن نتخيل موقفاً معادياُ للغيورية أكثر من هذا. تقديم ما يمكن النظر إليه على أنه فقط معارضة مدروسة للموقف السياسي " الغيور " في كل مسألة تقريباً، بما في ذلك قضية الضرائب، الحكام ما وراء البحار، المقاومة المسلحة، إلخ.، هو أيضاً " معاداة لليعقوبية "، مثل، " فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة " ( 13:3 ). يعقوب يأخذ اتجاهاً معاكساً ( 6:2 ): " أليس الأغنياء يتسلطون عليكم وهم يجرونكم إلى المحاكم ؟ ( رسالة يعقوب 6:2 ). يصور سفر الأعمال بولس وهو يتحدّث بسعادة في مناسبات عديدة بنوع من الإسهاب مع كثير من الشخصيات المسرحية في قيسارية ( لا تعالج وثائقنا مسألة الاتصالات الإضافية في روما ). في إحدى المراحل يتم تصوير بولس وهو يقول لأغريبا بحضور الزانية والتي سترتد لاحقاً بيرنيس، " أعرف أنك مؤمن ". يجيب الملك أغريبا، دون انزعاج، ومن ثم يعلن الحكم بروح طيبة، والذي تم تمثله عبر أعجوبة الفن في صورة يسوع في الأناجيل، " بقليل تقنعني أن أصير مسيحياً "؛ هذا الإنسان ليس يفعل شيئاً يستحق الموت أو القيود " ( سفر الأعمال 26: 27 – 32 ).

ليس من المرجح جداً أن بولس كان بإمكانه القيام بتملصاته العجائبية دون معونة من هذه السلطات الهيرودوسية/الرومانية. لا يمكن تخيل ما هو أقل من ذلك في ظل الظروف التي تحكي عن هجوم على بولس في الهيكل وإنقاذه من قبل جنود رومان كانوا يراقبون مجريات الحوادث من حصن أنطونيا ( سفر الأعمال 21: 31 وما بعد ). هذه الرواية تذكر أيضاً ابن أخت بولس وربما أخته ( لا نعرف ذكراً لهما غير هنا ) المقيمين في القدس، لكن اللذين يحملان أيضاً على الأرجح الهوية الرومانية. وهما اللذان يحذرانه من مكيدة يحيكها له " الأغيار على الشريعة " أو غيرهم من المهتمين بإجراءات قَسَم المنذورين كي يقتلوه. ودون هذا النوع من التدخل، لم يكن باستطاعة بولس قط التمتع بإجراءات الحماية المريحة التي عرفها في قيسارية كما لم يكن بإمكانه قط أن يُنقل بهذا السلام النسبي إلى روما ( حيث سبقه فيلكس ودورسيلا ). ليحل هناك مع نقود جمعت من مناطق تمويل ما وراء البحار من عدة أماكن والتي امتد إليها نفوذ الهيرودوسيين، وبسبب هذا إلى حد ما، تلك الأماكن التي صارت فيها مسألة الختان قضية بسبب الأعراف المتعلقة بالزواج للأميرات الهيرودوسيات.

لكن حيثما يكون بولس هو المعني بالأمر، يمكن للمرء أن يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك. يتحدّث بولس في لحظة لا تعرف الحماية في رسالة روما عن " هيروديون نسيبه " ( 11:16 ). ومع أن الاسم يمكن أن يدل على أي شخص له مثل هذا الاسم في أي موضع آخر، تبقى حقيقة أن أسماء مثل هيرودوس ومشتقاته ( مثل الموازاة مع اسم ابن قيصر " قيصريون " ) ليست شائعة. كذلك لا توجد أية إشارة تدل على أن المقطع هو تحريف لفظي. وإذا كانت مؤشراً على علاقات حميمة مع الهيرودوسيين، وهو ما أراه شخصياً، فهي بحد ذاتها تفسّر بالتالي الإشارة إلى العضوية و/أو النشاط الهيرودوسي عند الجماعة المسيحية الأولى في أنطاكية. من السهل أيضاً تفسير مسألة جنسية بولس الرمانية، والتي هي عنصر هام للغاية في هذه التملصات. بدورها تساعد في فهم لماذا كان بولس مقتنعاً على الدوام بيهوديته الذاتية، في حين يبدو الآخرون وكأن لديهم تحفظات تتعلق بها، وهي تلقي كثيراً من الضوء على الطريقة الغريبة التي يختارها لممارسة هذه اليهودية. ادعاء بولس أنه من سبط بنيامين له علاقة بنوعية عامة من هذا الشكل من الادعاءات في الشتات ، لكنه يوضح أيضا السهولة السطحية التي يمكن لادعاءات كهذه أن تمر بها على جماهير من السذج ومن غير المتعلمين نسبياً. فمن الأرجح أن بول يستمد زعمه بأنه مولود من سبط بنيامين ليس من رابط جينولوجي [ نَسَبي ] حقيقي، بل من الواقعة البسيطة أن اسمه العبراني " شاؤول " هو من سبط بنيامين.

إن وصفه الموثق لنفسه بأنه " فريسي ابن فريسي " ( سفر أعمال الرسل 23:6 ) قابل لأن يفسّر بسهولة عبر النسب الهيرودوسي، وكنت قد تعذّبت من أجل تبيان العلاقات الفريسية بالهيرودوسيين في سفري المكابيين. هذه الأمور قابلة لأن توضح بأفضل ما يمكن ربما عبر الاتجاهات المعادية للمكابيين من قبل هذا الطرف والصياح في م. سوتا 7 من قبل هؤلاء المجتمعين ( ربما فريسيون ) حين كان أغريبا ( لا يمكن لنا أن نحدد ما إذا كان الأول أم الثاني، وربما يكون الأول ) على وشك أن يقرأ الشرع الملوكي التثنوي: " لا تضعوا أجنبياً عليكم، أنت واحد منا! أنت واحد منا! أنت واحد منا !"ومن أجل أغراض التاريخ الصدوقي في فلسطين، فإن انعكاسات المرآة لهذه القصة تتجلى في محاولة شمعون " رئيس السنهدرين " من تلقاء ذاته لمنع أغريبا الأول في القدس من دخول الهيكل بوصفه غريباً في الأربعينات والجدار الذي بناه أغيار الهيكل في الجيل الذي جاء بعده لمنع أغريبا الثاني من رؤية القرابين ( ناهيك عن طرد أغريبا من القدس نهائياً ). وتوضح مخطوطة الهيكل مدى اهتمام قمران بهذه الأمور، بل حتى الخوض في الممارسات الزوجية للملك والإصرار أنه إضافة إلى عدم تعدد الزوجات أو الزواج من غريبات، عليه أن يحتفظ بزوجة واحدة طيلة أيام عمره – كل المسائل المتعلقة بتهمة " الزنا " العمومية الموجهة ضد الهيرودوسيين.

لكن علاقات بولس الهيرودوسية تفسّر حتى كيف استطاع شاب نسبياً كهذا من أن يحرز سلطات كهذه حين دخل أورشيلم للمرة الأولى وكيف أمكن " للكاهن الأعظم " أن يدعمه في بحثه " عن المسيحيين " حتى في المناطق البعيدة " كدمشق " ( من المستحيل أن نعرف من المصادر ما إذا كنا نتعامل مع مستوطنة " دمشق " التي تشير إليها قمران أو " مستوطنة يهودية فعلية في دمشق " ). إنها تفسّر بسهولة دخوله السهل إلى الدوائر الحاكمة في القدس – كافة المسائل التي لم تفسّر قط. والإشارة التي تسبق مباشرة تلك الإشارة إلى هيروديون في رسالة روما 16:10؛ أي، إلى أحد بعينه من " أهل أرسطوبوليس "، تقوّي أكثر هذه الشكوك. ومع أن أرسطوبوليس يمكن أن يكون اسماً شائعاً، فهو مع ذلك الاسم الأكثر بروزاً بين الهيرودوسيين، وهنالك إثنان أو ثلاثة يحملون الاسم أرسطوبوليس  وينحدرون من أسر مختلفة عاشت في الوقت ذاته، الأهم بينهم هو أرسطوبوليس ابن هيرودوس الحلقي المذكور آنفاً.

حتى الآن أدلتنا ظرفية؛ لكن ثمة ملاحظة مدهشة تردنا من منطقة أخرى توضح على نحو مباشر التهمة التي سقناها. فإبيفانيوس، الذي يحتفظ لنا بالعديد من الروايات التي وجدت في الأدب الحاخامي بما في ذلك " بن بانتيرا "، اللقب الذي أطلق على يسوع، يحتفظ لنا أيضاً برواية تتعلق ببولس ( Pan 30.16.1  ). ففي رأيه أن بولس كان شخصاً غير يهودي جاء إلى القدس واعتنق اليهودية لأنه أراد الزواج من ابنة " الكاهن " ( أي، ابنة الكاهن الأعظم ) ( كما في Pan 30.16.9  ، " الكاهن " تسمية تطلق في روايات قمران وفي الأدب الحاخامي على " الكاهن الأعظم " ). وحين خاب فأله في مخططه هذا، ارتد عن اليهودية ووقف ضد " الختان " و " الشريعة ". ويعزو إبيفانيوس هذه الملاحظة إلى " أناباثومي جاكوبو " ( " المنحدرون من يعقوب " )، وهو عمل مفقود يدور حول المعارك بين يعقوب من جهة، والكهنة والفريسيين من جهة أخرى ( نجد كسرة منه أيضاً في عمل اقليمنضدس المنحول المسمى، Recognitions ) حول المسائل المتعلقة بخدمة الهيكل ( بما في ذلك برأينا المشاكل المتعلقة بالأغيار أو أضاحي/تقدمات الأغيار في الهيكل ).

ليس لدينا طريقة لمعرفة ما إذا كانت الرواية صحيحة. وفي حين يظهر أن أناباثومي جاكوبو كان عملاً يهودياً مسيحياً أو إبيونياً، وبالتالي معادياً لبولس، فهذا ليس حجة لرفض رواية حفظت لنا من خلال إبيفانيوس؛ على العكس من ذلك، حين يكتشف المرء رواية بمضمون مدهش كهذه، غالباً ما يكون مفيداً لفت النظر إليها.

واحد من معتنقي اليهودية من ذاك الصنف كان يطمح إلى الزواج من ابنة الكاهن الأعظم – الحقيقة أنه تزوج من اثنتين: هيرودوس بالذات. وليس من المستحيل أن هذه الرواية تغطي صدى لمعلومة تاريخية قيمة، ليست بالضرورة حول بولس، بل حول أصول عائلة بولس؛ أي أنه لم يكن بولس هو من اعتنق اليهودية ( الذي ربما يكون حقيقة ) أو أنه هو شخصياً أراد الزواج من ابنة الكاهن ( والذي قد يكون حقيقة أيضاً )، بل إنه ينحدر من شخص اعتنق اليهودية وكان طموحه أن يتزوج ابنة الكاهن الأعظم، أي، أنه كان هيرودوسياً.

برأينا، إنه فقط هذه الأصول الهيرودوسية حيثما يكون بولس هو المعني بالأمر التي تفسّر رأيه الخاص جداً باليهودية، ما نعتقد أنه عقدة نقصه واختياره الدفاع حيثما يكون اليهود هم المعنيون بالأمر، غيرته من اليهود،  عدائه للسامية عموماً، وأخيراً لينه المفرط، ومن وجهة نظر يهودية، رأيه عديم الضمير المطلق فيما يتعلق بالشرع. 
من الصعب أن نفكّر بيهودي أصيل، مرتاح مع هويته، يمكنه أن ينغمس بهذا النوع من الإهانات التي وجهها بولس بلا مبرر للختان والمختونين ولأولئك الذين يلتزمون بقوانين الطعام، أو تبني المقاربة الغربية إلى إمكانية أن تكون ممن يحفظون الشريعة لأولئك الذين يحفظون الشريعة ومنتهكاً للشريعة لأولئك الذين ينتهكونها في الوقت ذاته وذلك من أجل، كما يقول، " كي تربح، لا تضرب الهواء "، أو أنه عبر تجنب الختان، يمكن للمرء أن يتجنب مطالب الشريعة، والتي رآها بشكل أو بآخر وكأنها " لعنة ".

إن المقولة المرتبطة بأحد الأغيار/غريب/ دخيل والذي يمتلك طموحات تتعلق بالكهنوت الأعلى تعبّر عن تحوّل ملفت في الروايات التلمودية المتعلقة بقصة مشهورة كان فيها البطلان هليل وشمّاي، حيث أراد دخيل وقح أن يعرف التوراة برمتها " وهو واقف على قدم واحدة ". يصرف شمّاي الدخيل بضربة واحدة، لكن هليل يبدو راغباً في أن يعمل بوصية " كل الخير "، " أحبب جارك كنفسك ". هذه الوصية الخيرة، بدورها، يتم التلميح إليها بأهمية مشابهة، ليس فقط في الأناجيل، رسالة يعقوب، والوثيقة الصدوقية، بل أيضاً عند بولس. فبولس يستشهد فعلاً بالوصية في سياق إشارته إلى خلاص " الظلمة والنور "، الزنا، الغيرة، إلخ.، كدليل على صحة فلسفته المعادية للغيورين كما يصوغها لنا في رسالة روما 13 ( ويعقب هذا حديثه في 14:1 وما بعد عن صفات " الضعفاء " – مثل يعقوب – الذين " لا يأكلون غير الخضار " ). وفي متابعتنا للمواد المتعلقة بهذا الدخيل الوقح، نجد القول بأنه كان يرغب بالفعل أن يصبح كاهناً أعظم.

إذا ما صوّرنا الرواية في سياق إصرار بولس الذاتي الموثّق بأنه كان تلميذ غملائيل حفيد هلّيل، فهي تأخذ أصداء إضافيّة. وواحدنا ليس غير مبرر في اعتباره أن الفرد موضع التساؤل هو من نمط الدخيل البولسي، وأن مقولة الرغبة بأن يصبح كاهناً أعظم مرتبطة بمقولة الرغبة في الزواج من ابنة " الكاهن " ( الكاهن الأعظم ) عند إبيفانيوس، المرتبطة بحد ذاتها بأصول بولس غير اليهودية ( أو شبه اليهودية/الهيرودوسية ).

من منظور مغاير، تبرز الأدلة التي تجعل ملموساً وتلخص، رغم أن الأمر غير مقصود، كافة الاتجاهات التي تمت مناقشتها، حيث يتم تزويدنا بأمثولة عن ذلك النوع من الأشخاص الذي قمنا بمناقشته. فكما لاحظنا آنفاً، هنالك ملاحظات عند يوسيفوس حول أحد أعضاء العائلة الهيرودوسية اسمه " ساولوس "، ونكرر من جديد أن الاسم ليس شائعاً جداً في هذه الحقبة. يلعب ساولوس هذا دوراً محورياً في الحوادث التي قادت إلى دمار أورشليم والهيكل. لم يكن ساولوس فقط الوسيط بين " رجال السلطة [ الهيرودوسيون ]، رئيس الفريسيين، الكهنة الكبار، وكل أولئك الراغبين بالسلام " ( أي، السلام مع الرومان )، بل يصفه يوسيفوس أيضاً بأنه " نسيب أغريبا ". في ما يعتبر وكأنه ملاحظات مشوهة على الغالب تتعلق بنسبه من بيرنس I  إلى كوستوباروس ( معتنق للدين أدومي Idumean )، نجده مصنفاً ضمن مجموعة من الأفراد تضم اسمي " أنتيباس " و" كوستوباروس ". يقود ساولوس وفداً إلى أغريبا ( محظور عليه دخول المدينة والهيكل من قبل أولئك الذين يسميهم يوسيفوس " المبتدعين " – بدعتهم المعادية للهيرودوسية الواضحة كانت تتجلّى في أنهم لم يعودوا راغبين في قبول أضاح أو هدايا نيابة عن غرباء ) والذي يرغب بدعوة الرومان إلى المدينة لإخضاع الانتفاضة قبل أن تبدأ. والملاحظة التي تتحدث عن علاقة بين ساولوس " وكبار الكهنة " تحظى بأهمية خاصة لأنها قابلة لأن توازى مع مادة في سفر الأعمال ترتبط بالمهمة التي كلّف بها الكاهن العظم شاؤول لاعتقال " المسيحيين ". 

من الملفت للنظر أنه في العاديات، في أعقاب وصف يوسيفوس لرجم يعقوب ونهب أعشار الكهنة الفقراء من قبل الكهنة الكبار الأغنياء، يشير يوسيفوس إلى ساولوس على أنه يقود شغباً في أورشليم. من جانبه، يشير سفر الأعمال إلى سلوك شغبي في القدس من قبل " ساولوس "، لكنه يموضع هذا الحدث بعد اهتداء مجموعة كبيرة من الكهنة، مشاكل حول مسائل توزيع المال الذي تم جمعه، ورجم استيفانوس. كان هـ . ي. شويبس قد لاحظ التشابه بين هذا الرجم لستيفانوس مع رجم يعقوب. ومن الملفت للنظر أنه في حين ينقل سفر أعمال الرسل حادث رجم يعقوب في الستينات إلى رجم ستيفانوس في الأربعينات ( في حين يزعم أقليمنضدس المنحول أن بولس قاد شغباً وهجوماً على يعقوب في الهيكل )، فإن يوسيفوس ربما قام بما يفيد العكس، أي أنه نقل المواد المتعلقة بسلوك شاؤول الشغبي في القدس في الأربعينات بما يناظره من شغب قاده ساولوس في الستينات. ومن أجل أن يثبت واحدنا أن ساولوس وبولس هما الشخص ذاته، عليه الافتراض أن إحدى عمليات النقل أو أخراها من المذكورتين آنفاً حدثت أو أن بولس عاد في نهاية الأمر إلى القدس، أو الأمرين معاً. مع ذلك، هذا ليس مستبعداً كما يتبدى لنا من فوق السطح، حيث أن مصادرنا تصمت على نحو غير معهود في مسألة سنوات بولس الأخيرة، وحيثما يبدو ساولوس هو المعني بالأمر، فنحن لا نعرف شيئاً عن مصيره النهائي، عدا ارتداده إلى الرومان.

مع أن أياً من هذه المعلومات لا يمكن اعتباره دقيقاً أو آمناً بما يكفي للوصول إلى نتائج واضحة ونهائية، فإنها مع ذلك تثير أسئلة هامة وتفتح آفاقاً جديدة لم تستكشف حتى اليوم. نحن لا ننكر أن بولس اعتبر نفسه يهودياً. وهذا ما كان يفعله الهيرودوسيون بشكل عام، مع أن هذه الثقة لا تبدو أنها كانت منتشرة للغاية. وهذه على وجه الدقة نقطة الانطلاق فيما يدعى حركة " الأغيار "، أي، إنها " غيورة " بطريقة فنحاس، حزقيال وعزرا حيثما يكون إبعاد الغرباء عن معسكر الإسرائيليين أو الهيكل هو المقصود. حزقيال  43:44 وما بعد، يعبّر عن هذه الفكرة قبل أن يعلن " العهد الصدوقي " المهم جداً للمفسرين في قمران، بمعنى أن الكهنوت السابق كان قد جرى تلويثه عبر قبول الغرباء في الهيكل. ويحدد حزقيال متطلبات أكثر صرامة تنطبق على اليهود المتخلين عن إيمانهم مثلما تنطبق على الأجانب ، أي لا أحد " من غير المختونين بالقلب أو بالجسد" يسمح له بدخول الهيكل. وهذه الإشارة تنطبق على الكاهن الشرير في حبقوق بيشير أثناء مناقشة معضلة " تلوث الحرم " الأمر الذي يتضمن عدم أهليته لأداء الخدمات في المذبح.  إنها موجودة أيضاً في مخطوطة الهيكل، حيث ترسم تشعباتها وجهاً لوجه أمام سلوك الملك. هنالك مقولة أيضاً في هذه المخطوطة والوثيقة الصدوقية على حد سواء عن المشاكل المتعلقة " بفصل " في الهيكل، وهو برأينا، فصل للغرباء، مقولة موجهة في العاليا [ المهجر ] ضد الهيرودوسيين والتلوث الذي أحدثوه.

أولئك الذين دعوناهم " أغياراً "، الذين احتشدوا حول بولس في الهيكل وطردوه منه بشكل غير رسمي، مثل فنحاس وممارسي نهج "  حرف واحد أو نقطة واحدة " عند يعقوب وفي قمران، لا " يبحثون عن الأمور الناعمة "، أي، لا يبحثون عن تسوية مع الغرباء في القضايا الأساسية التي كنا قد أشرنا إليها، الملك الغريب، التعيين الغريب للكهنة الكبار، الطلاق، الزواج من بنات الأخ أو الأخت، القرابين والتقدمات من الغرباء في الهيكل، إلخ. في سياق كهذا، يأخذ بولس شيئاً من شخصية الدريئة stalking horse للعائلة الهيرودوسية. وبرأينا، فإن ما كان يفعله في رحلته الأخيرة إلى القدس، رغم التحذيرات له بأن لا يذهب، هو اختبار الحظر على فئات مختلفة بدخول الهيكل وعلاقاتهم الأخرى المرتبطة بالحظر.

ومع أن هذه الأمور قد تبدو صعبة أن تثبت بالدليل، وأننا في الواقع لا نقدّم شيئاً، يبقى مع ذلك أنه لا توجد تفاسير أفضل لمجموعة النقاط التي أثرناها. شيء واحد لا يمكن إنكاره، فعلاقات بولس الهيرودوسية تصنع طريقة ظهوراته وغياباته المفاجئة، تملصاته العجائبية العديدة، وسلطانه المبكر في القدس، جنسيته الرومانية، علاقاته السهلة مع الملوك والحكام، ومسرح أنشطته التبشيرية الأولى وشروطها والتي تبدو قابلة للفهم هنا بطريقة لا يمكن لإعادة بناء أخرى حتى مقاربتها. وعندما يتعلّق الأمر بربط مضمون هذه الشهادات والتلميحات إلى الموقع في الحياة Sitz im Leben السياسية في النصوص المتأخرة لطائفة قمران وبالثرثار الكاذب الشديد البروز فيها، فإن الكثير من الشعور الطيب يمكن إحرازه، لكن نقاشاً كهذا هو بالضرورة خارج نطاق هذه الدراسة.