البديل الأخلاقي للدين

اسمه رامي، من دمشق. تعرّفت إليه عبر موقع " محادثة " على الشبكة العنكبوتيّة. تحدّثنا مطوّلاً على مدى شهر من الزمن. رأيته عبر الكاميرا. كان يزيدني ببضع سنوات. ولأني أسكن خارج العاصمة التي قطعت علاقتي بها لتلوثها وأزمة سيرها بعد الجامعة، كنت أعتذر لرامي على الدوام بأني أبعد عن دمشق ساعة بالسيارة. البارحة، الجمعة، وافقت أن ألتقي صديقي " الافتراضي ". واتفقنا على اللقاء في ساحة العباسيين.

 

كان يركب سيارة " جيب " سوداء أنيقة للغاية، لفت نظري فيها سورة الكرسي المذهبة المعلقّة بالمرآة. ركبت قربه وبدأنا رحلة إلى الحدود اللبنانيّة. كان منظره متناقضاً للغاية، بشعره المحلوق " على الزيرو " وثيابه المغرقة في رياضيتها وذقنه الكثيفة المتناقضة مع رأسه الأقرع، والرموز الدينيّة التي تثقل عبئها على السيارة.

أحسست بعد أقل من نصف ساعة أني أسمع صوتاً لا علاقة له بما عرفته عن الشباب السوري، الذين ألتقيهم في بلداتنا وقرانا. " هل أنت متزوج ؟ "؛ سألني رامي! أجبته: " لا "! – " للأسف الشديد !" أكمل رامي. كان طبيعيّاً أن أجيبه: " لماذا للأسف ؟ "؛ أجاب الرجل الأربعيني: " كنت أريدك أن تدخل معنا في الشلّة ".

وفهمت بعد طول شرح أن الرجل يلتقي في حفلات " أورجي – جنس جماعي " مع مجموعة من الأصدقاء؛ يمارسون فيها ويشربون ويأكلون كل ما يخطر بالبال وما لا يمكن للبال تخيله. كنت أتساءل مع نفسي: هل ابتعدت كثيراً عن العصر أم أن العصر نسينا؟ وهل هذا النمط من العيش بلا ضوابط هو " التصوير الأصدق " لروح الحداثة؟

عدت إلى منزلنا في الريف القريب من دمشق. هرعت إلى الحمّام أنظّف نفسي من اتهاماته لي بالسذاجة الريفيّة حين أخبرته بأني لا أدخن ولا أشرب، رغم أني غير متطرّف دينيّاً، بل يمكن القول إني غير دقيق في التزاماتي الدينيّة؛ ومن رائحة السيارة الفارهة، التي تنضح بالشبق وتشييء الآخر.

حاولت أهرب من سؤال يطاردني منذ غادرت دمشق بلا جدوى: ماذا يريد الباحثون العلمانيّون الذين يعتبرون أن الدين عدوهم الأوحد، فيحملون المطارق ويهوون بها على رموزه ومفاهيمه؟ ماذا ستكون عليه حالة المجتمع أخلاقيّاً إن هو تخلّى عن دينه، كما يريد أساطين العلمنة، خاصة في سوريّة؟ الدين على الأقل يضبط المجتمع أخلاقيّاً: فما هو البديل الأخلاقي للدين إن تم إسقاطه على طريقة العلمانيين؟ في الغرب، وقبل محاولات تهميش الدين على نحو صريح وكبير كما هي الحال عليه الآن، كتب الباحثون والمثقفون عن بدائل أخلاقيّة للدين، مثل المجتمع المدني؛ بل إن واحداً من أهم الفلاسفة في الغرب، جان-بول سارتر، كتب قبل أكثر من نصف قرن في فرنسا في كتابه " الوجوديّة مذهب إنساني "، عن الأخلاق العلمانيّة. فما هي الأخلاق التي يريد علمانيّونا لشبابنا الالتزام بها في حالة سقطت نهائيّاً الأخلاق الدينيّة؟

رامي، الصديق الافتراضي الذي سقط من قائمتي، هو الانموذج الأفضل لحالة فقدان التوازن الأخلاقي: رجل أسقط من قاموسه الأخلاق الدينيّة الحقيقية، رغم المظاهر الكاذبة، وفشل معرفيّاً أن يصل إلى بديل مقنع، إن له أو لغيره.

معرفيّاً؟ نصيب العربي من القراءة سنويّاً نصف صفحة! والأميركي؟ أحد عشر كتاباً!!

نادر بدر