نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

دروس بلا عبر:

 

هل تأمّل واحدنا خريطة الحراك الذي ضرب سوريّا منذ ثلاث سنوات حتى اليوم؟

هل يعقل أن تتهيّج كل هذه القطعان بلا سبب ولا مبرّر؟

هل تساءل المرء عن دواعي هذا الجنون الطائفي الذي اجتاح الوطن من أقصاه إلى أقصاه؟

هل درسنا بعقلانية ومنطق ما حدث في عدرا العمالية، والخلفيات المجتمعية-السيكولوجية لهذا العنف المذهبي غير المسبوق في التاريخ السوري الحديث؛ والذي يصل أحياناً إلى مستوى " الجريمة ضد الإنسانية ؟"

كيف يمكن أن يتحوّل كثير من طلبة سوريّا، الذين تلقوا أبرز الدروس النظرية- العملية في الانتماء القومي في مدارس الطلائع والشبيبة والبعث، بين عشيّة وضحاها، إلى وهابيين أسوأ من أسوأ وهابي سعودي، يحاسب الناس على الجلباب غير القصير والذقن المهذّبة؟؟

كيف نفسّر هذا الانتشار السرطاني للفكر السلفي الجهادي بين صفوف شبّان في عمر الورد؛ في حين لم يكن أهاليهم أو مجتمعاتهم أو ربما مدارسهم كذلك؟

يمكن أن نفهم بالحد الأدنى أن يرفض سعودي أو قطري، لم يعرف قط في حياته غير لون مجتمعي أوحد، الآخر الذي يخالفه اللون؛ لكننا كيف نفهم هذا السلوك الإجرامي لشاب سوري في طريقته في رفض آخر يعيش معه وقربه وبين يديه؟؟

سأذكر حادثة مريعة شهدت فصولها شخصياً كونه طلب مني المساعدة في إنهاء فصولها؛ وللقارئ أن يحكم، إن استطاع، ليس بلا عقلانيّة:

" أخبرتني سيدة أن ابن أختها، الشاب المتزوج، موقوف في أحد الأفرع الأمنية دون مبرّر. ولما سألنا عن وضع الشاب الثلاثيني، كان الجواب الكارثة:

خالة الشاب، وهو سنّي من بلدة قريبة من دمشق، متزوجة من رجل علوي من قرية قريبة من الساحل، متقاعد بعد أن عمل مدّة في قطاع رسمي. اتفق الشاب مع ابن عمّه على خطف زوج خالته المتقاعد، فقط لأنه علوي. [ لا بدّ أن نلاحظ هنا الفرق المخيف بين عقلية جيل لا يمانع الزواج من علوي، وعقلية جيل آخر يرى في زواج السنية من علوي جريمة لا تغتفر ]. لم يكتف الشبّان بخطف الرجل الخمسيني المقاعد، بل قاموا بذبحه أمام شاشات " الجوالات "! الأسوأ أن الشاب قام بخطف ابنة الرجل، أي ابنة خالته هو، واغتصابها مع مجموعة من الأقارب والأصدقاء "!!

في الإعلام السوري الرسمي يحاولون، بغباء لا يجارى، إظهار ما يجري على أنه حرب طائفية بامتياز. وهنا بد من الإشارة إلى النقاط التالية:

1 – إذا أخذنا التوزع الديمغرافي للطوائف السورية، فإن من يظهر على الإعلام من معلقي سياسيين من الطائفة العلوية مدافعاً عن النظام يوحي وكأن العلويين يشكّلون 90% من الشعب السوري؛ بالمقابل، فإن من يظهر على الشاشات المعارضة أو التي تتبنى المعارضة من محللين سياسيين يُظهر وكأن المعارضة سنية 100%.

2 – اللقاءات التي تجريها المحطّات الإعلامية السورية الرسمية وتلك المتحالفة معها مع المقاتلين " المنتصرين " على ساحة الوغى يظهر وكأن الجيش السوري الرسمي لا يضم غير العلويين؛ بالمقابل، فإن من يتم إلقاء القبض عليه وإظهاره على المحطات الرسمية وتلك التي تتحالف معها، أو أولئك الذين يتم قتلهم بين منطقة وأخرى، يظهر أن كل من يقاتل الدولة في سوريا إنما ينتمي إلى الطائفة السنية.

هذه العقلية الكارثية ما تزال تحكم بأمرها في سوريا، وتزيد بالتالي من تعميق الهوة بين مكونات الشعب السوري. كذلك فإن ما يحصل في المدارس والجامعات الرسمية من ممارسات بعثية يوحي وكأن إلغاء المادة 8 من الدستور لم يكن غير ضحك على الذقون؛ وإن دروس إدلب ودرعا وتل كلخ والرستن وغيرها، حين كان البعثيون يفاخرون بانسحابهم من حزب السلطة " الكافر "، طارت بلا عبر.

لا حل إلا بدولة مواطنة ديمقراطية.

لا نعتب على المعارضة الخارجية لأنها ليست أكثر من ماخور سعودي يديره قوّاد بدوي نتن الطعم والرائحة. لا نعتب على المعارضة الخارجية لأنها لا تستطيع استيعاب مسألة المواطنة أو الديمقراطية كونها لم تستطع الخروج من عباءة موزة التي لا تشبه غير خربوش تصفر فيه الرياح. نحن نعتب على الدولة التي يفترض أن تكون الأكثر دفاعاً عن المواطنة والديمقراطية؛ فالدرس الحموي قبل ثلاثين عاماً يؤكّد أن فتيل الطائفية إن لم ينزع عبر ترسيخ المواطنة والديمقراطية يمكن أن يمضي عمره في انتظار فرصة أخرى سانحة، تدمّر آخر ما تبقى من جمالات الوطن.

لكن: إذا أخذ ما أوهب، أسقط ما أوجب!!

 

 

Who's Online

16 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات دروس بلا عبر: