نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

لماذا لا يعتنق المسلمون السوريون المسيحية؟

سؤال غريب قد يستهجنه كثيرون، لم يتوقف قط عن غزو أفكاري وأنا أحاول قراءة ما يحصل اليوم في سوريا، بكل أبعاده؟
ملاحظتان هامتان عبرتا أمامي لم يكن ممكناً إلا أن تستوقفا أعيني:

1 – على صفحات التواصل المجتمعي، تكررت للغاية عبارة " المسيح قام، حقّاً قام " يكتبها كثيرٌ من شبّان سوريا وشاباتها من المسلمين السنّة بنوع من المجاملة المجتمعية لأخوتهم من مسيحيي سوريا في عيد القيامة السوري الشهير؛ هذا يعني أن هذه الحرب استطاعت إزالة القشرة الجينية الرعوية التي جاء بها الإسلام إلى بنى كثير من السوريين، وظهر الأصل المسيحي في الشيفرة الجينية عند غالبية السوريين؛
2 –زارتني قبل أيام سيدة مسلمة من أهالي معلولا. في معرض حديثها عن تدمير الإرث المسيحي في البلدة والحساسية بين مكوني معلولا المسيحي والمسلم؛ قالت: أديرة معلولا وكنائسها جميلة ومليئة بالتحف الأثرية؛ جوامعنا خالية من كل شيء. لذلك لا تستأهل السرقة. الكنائس زراعية الطابع أزلية الحضور، فكل ما فيها جميل ونفيس؛ بالمقابل فالمساجد ليست غير مكان تجمع لرعاة متنقلين، لا يهمهم حضورها ولا أزليتها.
الإفخارستيا المسيحية، إذا ما أخذناها برمزيتها الرائعة، هي أهم إشارة في التاريخ البشري إلى الانتقال من الثقافة اليهودية-الرعوية-قمرية التقويم، إلى الثقافة المسيحية-الزراعية-شمسية التقويم. فما هي الإفخارستيا وما هي أهميتها:
الإفخارستيّا هي ذبيحة جسد الرّبّ يسوع ودمه بذاتها، الّتي أوجدها لكي تستمرّ بها ذبيحة الصّليب على مرّ الأجيال إلى أن يجيء، مودعًا هكذا كنيسته ذكرى موته وقيامته. الإفخارستيّا هي علامة الوحدة، ورباط المحبّة، والوليمة الفصحيّة، فيها نتقبّل المسيح، وفيها تمتلئ النّفس بالنّعمة، وفيها نُعطى عربون الحياة الأبديّة. – هذا ما تقوله http://www.maronite-evangelization.com/?page_id=90
ان هذا السر هو منبع الحياة المسيحية وركيزتها وبه يشرك المسيح كنيسته وكل اعضائها في ذبيحة الحمد والشكر التي قرّبت لأبيه مرة واحدة على الصليب. بهذه الذبيحة يفيض المسيح نعم الخلاص على جسده المتمثل بالكنيسة.
ان الافخارستيا هي تذكار لعمل الخلاص الذي حققه المسيح بحياته وموته وقيامته والذي يغدو ماثلا في واقع العمل الليتورجي والتي اصبحت جوهر القداس الالهي وعظمته لا بل ان القداس الذي نحظره كل احد اوتذكار او عيد وُضع على اساس هذه الافخارستيا.
http://www.alqosh.net/article_000/abid_qillo/aq_30.htm
وأهم مرحلة في الإفخارستيا هي "الكلام الجوهري"؛ الذي هو بحسب الطقس السرياني-السوري-الكلداني، يتم على النحو التالي:
الكاهن: لما حان الزمان الذي كان فيه مزمعاً أن يتألم ويدنو من الموت، في تلك الليلة التي أُسلم فيها، أخذ خبزاً بيديه المقدستين، ورفع عينيه إليك أنت يا الله أباه، الضابط الكل، وشكر وبارك وكسر، وأعطى تلاميذه وقال:
"خذوا فكلوا منه كلكم،
هذا هو جسدي،
الذي يُبذل من أجلِكم،
لمغفرة الخطايا"
الشعب: آمين.
الكاهن: وهكذا من بعد العشاء، أخذ بيديه المقدستين كأساً طاهرة، وشكر وبارك وناول تلاميذه وقال:
"خذوا فاشربوا منها كُلكم،
هذا هو دمي،
للعهد الجديد الأبدي،
سرُ الإيمان،
الذي يراق عنكم وعن الكثيرين،
لمغفرة الخطايا"
ماذا يعني كلّ ذلك من وجهة نظر الإبستمولوجيا؟
تلك " هي " أهم انعطافة في التاريخ البشري منذ اخترعت الكتابة وتم تأريخ الذاكرة الإنسانية. – كيف؟
في المسيحية، أول أدلجة في منطقة البحر الأبيض المتوسط للخروج من الثقافة الرعوية إلى الثقافة الزراعية؛ وفي الكلام الجوهري، قدس أقداس المسيحية، أوضح إشارة إلى ذلك. وحين يتم تقديس هذا الفعل عبر إعطائه أبعاداً ما ورائية غاية في التأليه، فإن ذلك الضمانة الأهم إلى أن تلك الإنعطافة غير قابلة لأن تُعكس أو تُرفض!
الذبيحة في الثقافة اليهودية-الرعوية كانت " حملاً " – أو ما شابه – يتم ذبحه وتناول لحمه وشرب دمه إرضاء للإله أو السوبر-إيغو البشرية. جاءت المسيحية فألغت هذا الفعل الرعوي الوحشي، لكنها حافظت على إرضاء الإله عبر قربان زراعي راق؛ فصار جسد الحمل خبزاً من قمح سوري، ودم الحمل خمراً من عنب سوري.
لقد سبق وأشرنا في غير مقال إن اليهودية بدأت رعوية وربما تكون بداياتها كما قال الباحث الأبرز، كمال الصليبي، في جزيرة العرب؛ واعتمدنا بذلك على التقويم اليهودي القمري؛ ثم انتقلت اليهودية إلى بلاد زراعية، جنوب سوريا الطبيعية حتماً – أبسط دليل على الوجود اليهودي هناك أركيولوجياً، بركة سلوان أو سلوام – فاضطرت إلى تعديل تقويمها الرعوي القمري ليصبح تقويماً شمسياً.
أعياد المسيحية كلّها زراعية الطابع:
1 – عيد القيامة أو الفصح: وفيه رمز لعودة الحياة إلى الأرض بعد فترة ركود خريفية-شتائية! عيد القيامة الذي يأتي دائما في الربيع هو إشارة إلى نهاية زمن البرد والأمطار، والدخول في زمن الدفء والشمس.
2 – عيد الحصاد! واسمه كاف ليدل عليه.
3 – عيد الصليب: ويصادف في منتصف أيلول، مع بداية الدخول في الزمن الخريفي.
4 – عيد الميلاد: وهو غير دقيق، فالمسيح لم يولد يوم 25 كانون الأول! وفي اعتقادنا أنه تم تحوير عيد ميلاد المسيح حتى يتناسب مع الطقس الزراعي؛ ففي تلك الحقبة من السنة يبدأ الليل بالانحسار زمنياً، ويبدأ النهار بالاستطالة.
حين دخل الإسلام ( ثقافة يهودية رعوية قمرية بلا منازع؛ كان أبرز ردّة يهودية-رعوية على المسيحية-الزراعية ) سوريا وغيرها من البلدان الزراعية، لم يستطع السوريون الزراعيون هضم هذه الثقافة البدوية الرعوية، ولما جرت أسلمتهم بالسيف، أظهروا اعتناق الديانة الوافدة من بلاد البداوة، لكنهم مع الزمن أعادوا إفراز إسلام خاص بهم؛ فكانت هذه الإنشقاقات العمودية في الجسد الإسلامي في بلاد الشام والعراق على وجه التحديد.
عاد الإسلام البدوي – الرعوي إلى واجهة الصورة مع ظهور النفط في بلاد الرمال. ولأسباب لا مجال لذكرها هنا، أراد الرعاة البدو أن يعيدوا هاجرية المؤسس إلى دول الجوار عبر سلاح النفط والريال. وكل ما نراه اليوم من صراعات دموية في القطرين هو أحد أشكال الصراع بين الإسلام الهاجري الرعوي البدوي المعاد إنتاجه عبر الثقافة الوهابية، والإسلام المعدّل الذي تمت " زرعنته " في وطن الحضارات الأقدم؛ والذي يعتمد التقويم الشمسي لأن الزراعة أساس وجوده.
الفارق الأساسي بين الثقافتين هو أن البدوي لا يعرف معنى الاستقرار، وبالتالي فهو بلا وطن ومن ثم بلا حضور أو حضارة – وطنه اسمه الخيمة، والخيمة يمكن أن تكون هنا أو أن تكون هناك؛ بالمقابل، فالحضارة نشأت من الحضور المميز للثقافة الزراعية التي ارتبطت بالاستقرار ومن الاستقرار جاء مفهوم الوطن وفي مرحلة أكثر تقدّماً، القومية.
المسيحية، في النهاية، هي أس الثقافة السورية لأنها، بتعدديتها وتسامحها وقبولها للآخر، هي أفضل تعبير عن الأنطولوجيا السورية. وفي صيغة " أغفر لهم يا أبتي فإنهم لا يدرون ماذا يفعلون " أهم شعار تسامح عرفته البشرية على مر الزمان.
لا يمكن أن تكون سوريا بلداً بثقافة رعوية-قمرية؛ وصيغة الإسلام المعدّل غير قابلة للاستمرار تحت وطأة النفط والريال. لا بد أن تعود سوريا وطناً زراعياً بالمطلق – وهو ما يتوافق تماماً مع كينونتها أنطولوجياً. وهذا لا يمكن أن يتم دون عودة السوريين إلى ديانتهم الحقيقية – المسيحية بتنوعاتها.
لا أحد يمتلك أدلة مادية على براهينه الظنية. لذلك لا مناص من إعلان الدولة حرية تبديل الدين للسوريين، كأول مبادرة حسنة حيال الهوية السورية العظيمة. ولا أعتقد إلا أن كثيراً من السوريين يشاركوننا هذا الاعتقاد.
للحديث بقية.

Who's Online

28 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات لماذا لا يعتنق المسلمون السوريون المسيحية؟