نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

ما بعد الديمقراطية وآفاق المستقبل

وخرجت الجموع في الشوارع العربية تنطق بصوت أوحد، مطالبة بتطبيق سياسي لمصطلح يوناني لا يمتلك معظمعهم فهماً بالحد الأدنى لمعناه: الديمقراطية! هل فكّرنا يوماً بمدلول المصطلح مجتمعياً وسياسياً؟ هل سمعنا عن ندوات وورش عمل تناولت " الديمقراطية " تاريخاً وأشكال تطبيق وإمكانية انتشارها في المجتمعات الناطقة بالعربية؟

 الديمقراطية مشتقة من ديمو أي شعب، وقراطيا، بمعنى حكم؛ وكل ذلك منحوت عن اليونانية بلفظ عربي ربما عبر السريانية، كما هي العادة؟ إذن، المعنى بتبسيط شديد: حكم الشعب، وذلك مقابل، أريستوقراطيا، أي حكم النخبة. فهل أن الشعب يحكم فعلياً، حتى في تلك الدول ذات الإرث الديمقراطي الأعمق؟ هل حقاً أن بائعة الخضار وعمال النظافة والذين يجمعون زجاجات البيرة الفارغة في شوارع برلين يتحكمون في البوندستاغ؟ وهل للكابيتول هيل في واشنطن دي. سي. أية علاقة بأولئك الذين يملأون الطرقات بين كورونا ولوس أنجلوس، خاصة عند شارات المرور، يلتصقون بك كالهوام، أملاً في بضع سنتات لشراء جرعة مخدرة أو زجاجة كحول مزورة؟ وهل لأصحاب البسطات في التوفيقية، في وسط القاهرة، أدنى علاقة بما يحصل في " مجلس الأمة "؟ أسئلة لا تحتاج إلى عميق ذكاء كي يحصل واحدنا على إجابة واضحة عليها!

قبل أكثر من مئة عام، أي قبل أن ينتشر هذا المصطلح " الأغبى " بين الرعاع الناطق بالعربية بزمن طويل، صرخ فيلسوف نصف عبقري نصف مجنون اسمه نيتشه: أين هي الديمقراطية؟ وأردف: هل يمكن لعاقل أن يصدّق أن الشعب يحكم من كالكوتا إلى لندن؟ وكما كان نيتشه حادّاً في رفضه للاشتراكية، كان أكثر حدة في رفضه " العقلاني " للديمقراطية! كان يسميهم: الرعاع الإشتراكي والرعاع الديمقراطي. ورغم ما قاله جورج لوكاش عن نيتشه في " تحطيم العقل "؛ رغم مواقف اليسار الأوروبي، خاصة الألماني، لا بد أن نسأل بلا براءة: هل البشر متساوون؟ هل الجينات هي ذاتها في خلايا الجنس البشري من كانتون إلى بورت أو برنس؟ الإجابة العلمية الأبسط: لا!

إذا انتقلنا من الاختلافات الأوضح بين الشعوب، خاصة في مسألة الآي كيو، فإن الاختلافات غير قابلة للتجسير بين الأفراد من الشعب ذاته أيضاً! الظروف الطبيعية-الجغرافية-المناخية تلعب دوراً، بحسب الإبستمولوجيا الإرتقايئة، في جينات الذكاء، عبر هذا التفاعل الدائم بين الذات والمحيط. هل يمكن هنا أن نلاحظ، من منظور حيادي، هذا التباين غير العادي بين الشعب الياباني والشعب السعودي، على سبيل المثال: إرتفاع سوية الآي كيو عند الياباني العادي هي التي تجعل اليابان، بلا أراض زراعية ولا نفط ولا موارد طبيعية هامة، واحدة من أغنى دول العالم، والتي ستبقى غنية دائماً، في حين أن السعودية، كما تقول التوقعات، ستكون دولة عادية عام 2025 بعد نضوب معظم نفطها الذي لا تملك غيره، وسيضطر السعوديون، ربما عام 2050 للعودة إلى الاعتماد على بيع الملح وتجارة الحج، إن بقي حج!! بالمقابل، في البلد ذاته، التباين الذكائي غير قابل لأن يحجب بغربال الألفاظ المنمقة " الإنسانية "! لا يمكن على الإطلاق أن نعتبر، ضمن الثقافة الجرمانية، أشخاصاً محوريين في مسار التاريخ البشري، مثل فرويد وهاينه وأينشتاين وماركس ومان، مثل أي فرد عادي من باعة الجرائد في شوارع فيينا أو دروب برلين العتيقة!

الديمقراطية، بصريح العبارة، سراب لا وجود له إلا في عقول من يستغلونه خدمة لمصالحهم. الديمقراطية مثل بقرة يطعمها الشعب كله، ويشرب حليبها بعض تجار الكلام من ساسة وعسكريين وأمنيين ورجال أعمال. في الغرب، خاصة أميركا، لا وجود للديمقراطية كما يشير معناها. " الشعب لا يحكم ": هذا هو مضمون الديمقراطية الفعلي في كل الدول التي تسوق نفسها على سفينة حكم الشعب الغارقة. لكن، والحق يقال، فإن أفضل ما في النظم الديمقراطية هو أنها تفهم اللعبة وتلعبها " على أصولها "، أي دون ديمقراطية.

من يحكم في الغرب؟ المعركة على صفيح ساخن، كما يقول تينسي وليامز، بين أوباما ورومني؛ والشعب يهلل منقسماً، ببلاهة رعاعية تعيد ذاتها كل أربع سنوات، لأحد المتنافسين. لكمن من يحكم، يحكم؛ بغض النظر عن الواجهة. في الولايات المتحدة، الحكم أرستقراطي، مثل أية دولة متقدمة أخرى؛ أي أنه حكم نخب. مراكز بحثية هامة جداً ترسم مسار الأمة لسنوات كثيرة؛ عقول جبارة تخطط وتنفذ؛ وتترك للشعب العادي فرحة السنوات الأربع، يخرج فيها كل ما في جوفه من شبق الشعور بأنه يحكم.

لكن، بالمقابل، فإن أهم ما في الديمقراطيات الغربية هو التزامها المقبول بالحريات العامة والخاصة؛ بالمقارنة مع دول العالم الثالث الناطقة بالعربية. الحريات، خاصة تلك الإعلامية، تترك النخب تحكم، لكنها تجعل سيف الرقابة مسلطاً على رقابها لمنع استغلال السلطة وكافة أشكال الفساد. هنالك استغلال لسلطة وهنالك فساد حتى في السويد، لأن القوانين مهما حاولت، لا يمكن أن تنجو من ثقب هنا وصدع هناك؛ والغلاسنوست لا يمكن أن تغطي مساحة البلد كله، حتى وإن وقف غورباتشوف على ناصية كل حارة.

لا ننكر أننا نعمل منذ زمن طويل، بإيحاء من فيشته ونيتشه وألان دو بونوا، على مشروع أسميناه: ما بعد الديمقراطية. الديمقراطية، إذا انطلقنا من الواقع لا من تخيل لواقع، مفهوم غير قابل للتطبيق؛ لذلك لا بد من البحث عن مفهوم آخر حقيقي يلامس الواقع، كما بعد الديمقراطية. ما بعد الديمقراطية يجمع بين الأرستقراطيا من ناحية، وبين الحريات الكاملة ممزوجة بغلاسنوست على الطريقة الغورباتشيفية، من ناحية أخرى.

الشعب السوري يطمح إلى الخروج من الحالة الأحدية التي عاشها منذ خروج الفرنسيين المؤلم من سوريا. – الحقيقة أن سوريا عاشت تعددية كاذبة منذ دخول أبي عبيدة سلماً إلى دمشق. لكن الواقع أن الشعب السوري، إن كنخبة أو كأناس عاديين، هو من أكثر شعوب العالم قطيعة معرفية مع علم المصطلحات السياسية إن لإقصائه عن عالم السياسة الدولية منذ أن تسلّمت الأحدية البعثية قيادة الدفة في المركب الغارق، أو بسبب إرثه الديني ذي التجليات المجتمعية اللاعقلانية، التي تفرض عليه نوعاً من التكلّس الفكري الذي لا سبيل إلى تكسيره. الشعب السوري أيقظته الأحداث على وجهه المليء بالندب. لذلك لا بد له من عملية مثاقفة عميقة يتجنب من خلالها النفاقية الديمقراطية الغربية، ويسير مباشرة نحو " ما بعد الديمقراطية ".

انتهت الأحدية السياسية؛ فلماذا لا ندخل زمن التعددية بطريقة صحيحة لا علاقة لها بالماضي النفاقي البشع؟ لا ننكر أن المسئول البعثي، رغم إلغاء المادة 8 المثيرة للجدل، ما يزال يرافق المحافظ، بطفيلية لا معنى لها، إلى كافة مجالات العمل المجتمعي. لكنه، في النهاية، سيضطر تحت وطأة مطالبات الحرية، إلى البقاء في منزله، أو على الأقل، أن يرافق كواحد من بنى حزبية كثيرة همها الصالح العام.

رأي للنقاش: لا أكثر ولا أقل!!

Who's Online

36 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات ما بعد الديمقراطية وآفاق المستقبل