نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

يشوع بن نون: مقالة نقدية!

ومعنى اسمه " يهوه خلاص "! اسمه الأصلي هوشع ( خلاص ) ( عدد 8:13 ). في سفر الأيام الأول يرد اسمه يهوشوع ( 27:7 ). سمّاه موسى النبي يشوع ( عدد 16:13 ). إنه خليفة موسى؛ من سبط أفراييم، وكان قد ولد في مصر. كان أولاً خادماً لموسى ( خروج 13:24 ). ذكر للمرة الأولى في معركة رفيديم. ثم عينه موسى قائداً لبني إسرائيل ( 9:17 )؛ وكان في الرابعة والأربعين من العمر. ثم عينه موسى خليفة له ( عدد 27: 18 – 23؛ تثنية 38:1؛ 31: 14، 23 ). اختاره موسى جاسوساً عن سبطه أفراييم، مع كالب بن يفنه من سبط يهوذا ( عدد 13: 6، 8 ). ويمكن هنا المقارنة بين موسى ويشوع في مسألة التجسس ( عدد 13؛ يشوع 2 ). وفي حرب العماليق هزمهم يشوع بحد السيف ( خروج 13:17).

يشوع بن نون، بحسب التقاليد ليهودية، هو أحد الأنبياء الأولين. لكن بين الأخبار المتعلقة به التي تقصها علينا التوراة وتاريخ التحرير النهائي للسفر بضعة قرون.

من هنا، فالصورة التي تعرض لنا من خلال هذا السفر الهام والتي تفيد بأن الأسباط الإسرائيلية استطاعت متحالفة أن تغزو أرض كنعان بالكامل لا يمكن أن تصمد أمام النقدية التاريخية. فأرض كنعان لم تغز فعلياً من جانب إسرائيليين إلا في أيام داود كما يفترض ( القرن العاشر ق.م. ). قبل هذا التاريخ، لم يتعرّض الكنعانيون لإبادة جماعية، بل كانوا موجودين في السهوب، وكثيراً ما كانوا يتعايشون مع بني إسرائيل، كما يقول السفر ذاته ( 63:15؛ 10:16؛ 17: 12، 18 ). ثم نكتشف أيضاً أنه عند موت يشوع بن نون أنه كان ثمة أرض واسعة لم يكن قد استولى عليها، رغم أنها قسمت بين الأسباط! من هنا نستطيع القول إن سفر يشوع ليس سجلاً يروي بنوع من التسلسل مراحل غزو كنعان وإقامة الشعب فيها؛ دون أن ينفي ذلك اعتراف النقاد بالقيمة التاريخية للتقاليد التي يستند إليها السفر.

يمكن القول أيضاً إن محرراً ينتمي إلى  المدرسة التي أنتجت لنا سفر الثنية أعاد من جديد قراءة سفر يشوع؛ فكانت هذه القراءة المعادة أقرب ما تكون إلى  تأمل في تاريخ إسرائيل على ضوء الاختبارات التي استجدت في القرنين السابع والسادس ق.م. كذلك لا يمكن إلا أن نشير إلى  الجدل المتجدد بين الباحثين حول مسألة وحدة الأسباط.

من ناحية أخرى، تبدو مسألة إبادة الشعوب – الكنعانيون هنا – نظرية أكثر منها واقعية. وقد تم ابتداع هذا التصور لاحقاً، وذلك مع اتضاح خطر الوثنية على إسرائيل. أما تقسيم الأراضي المحوري في سفر يشوع فيتضمن تكملات لاحقة وذلك بالإشارة إلى  تطوّر الأوضاع في يهوذا وإسرائيل في زمن الملكية.

التناقضات التاريخية في سفر يشوع:

في سفر القضاة، 1: 22 – 26، نجد حديثاً غير مطوّل عن غزو بيت إيل، في حين لا يذكر سفر يشوع شيئاً من هذا القبيل.

في سفر يشوع يقال إن من غزا حبرون ودبير هو يشوع بن نون ( 10: 36-39 )؛ في حن يقال في السفر ذاته إن من أخذ حبرون هو كالب ( 15: 13-14، 17 )؛ وإن من أخذ دبير هو عثنئيل، بحسب سفر القضاة ( 1: 11 – 13 ).

بداية السفر تقول: " من البرية و لبنان هذا إلى  النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى  البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم " ( 4:1 )! وهو يتناقض مع نص في الإصحاح ذاته، يقول: " نساؤكم و أطفالكم ومواشيكم تلبث في الأرض  التي أعطاكم موسى في عبر الأردن... ثم ترجعون إلى  ارض ميراثكم وتمتلكونها التي أعطاكم موسى عبد الرب في عبر الأردن نحو شروق الشمس " ( 1: 14، 15 ). – مع ملاحظة أن تمركز الحثيين كان في سوريا وآسيا الصغرى!

في السفر ذاته نجد أن الآية 15:2 مقحمة: " فأنزلتهما بحبل من الكوة لان بيتها بحائط السور وهي سكنت بالسور "؛ والتحليل المنطقي يقول إنها كان يجب أن تكون في نهاية الإصحاح الثاني!

المقارنة بين يشوع وموسى:

التشابهات ملفتة للغاية بين الحوادث التي تعرّض لها موسى وتلك التي تعرّض لها خليفته، يشوع بن نون!

1 – إيقاف الرب لمياه نهر الأردن وعبور الجمهور من خلالها في سفر يشوع ( 3: 7 – 4: 18 )؛ يشابه للغاية تجفيف الرب لمياه بحر القصب [ بحر سوف ] كي يعبر موسى وأتباعه ( خروج 14: 5 – 21 ).

2 – عند يشوع نجد أن افتتاح العبور يكون بتابوت الرب ( 3: 6 – 17؛ 4: 10 – 11 )؛ وعند موسى نجد أن عمود الغمام أو النار يفتتح العبور ( خروج 13: 21 – 22؛ 14: 19 – 20 ).

لا بد أن نشير هنا إلى  أن التعبير عن الظهور الإلهي يتغيّر في التوراة بحسب التقليد! ففي التقليد اليهووي يعبّر عن ذلك بعمود الغمام وعمود النار؛ وفي التقليد الإيلوهيمي نقرأ أن الظهور الإلهي يتمثّل بالغيم المظلم؛ أما في التقليد الكهنوتي فنجد أن الرب ذاته يتحرّك.

3 – في الآيتين ( 7:3 و 14:4 ) من سفر يشوع، يتقمص الأخير دور موسى!

4 – الختان الذي ينسب لشعب الخروج، يتم تجديده في الأحفاد المولودين في البريّة!

5 – المن، طعام البريّة ( خروج 16 )، يتوقف حال دخول الشعب أرض كنعان ( يش 12:5 ).

6 – الفصح في سفر الخروج يأتي قبل العبور الأول ( 12: 1 – 21؛ 13: 3 – 10 )؛ أما الفصح في سفر يشوع فيحل في الجلجال بعد العبور الثاني ( 10:5 ).

7 – يمكن أيضاً أن نقارن بين طلب موسى من الشعب أن يتقدّس ( خروج 15:19 )، وطلب يشوع المماثل ( 5:3 ).

8 – الرب يكون وسط الشعب ( خروج 9:34؛ يشوع 10:3 ).

9 – العلامة لأبنائهم في الخروج هي الدم ( 26:12 ) وعند يشوع هي الحجارة ( 4: 6 – 7 )!

10 – أعداد الناس متطابقة: أربعون ألفاً!

11 – في سفر يشوع، يقول الرب لهذا النبي: " وكان بعدما انتهى جميع الشعب من الاختتان أنهم أقاموا في أماكنهم في المحلة حتى برئوا. وقال الرب ليشوع اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر فدعي اسم ذلك المكان الجلجال إلى  هذا اليوم " ( 5: 9 – 10 ). لكن الواقع يقول إن عار المصريين الذي دحرج عن بني إسرائيل المتمثل بكون الذكر غير مختون تناقضه حقيقة أن الختان كان شائعاً بين المصريين القدماء كما تظهر المومياءات المصرية القديمة.

12 – النص في سفر يشوع، 5: 13 – 15، مقحم دون مقدمات، وهو ما يجعل من الأرجح أن يكون بقايا لتقليد قديم مفقود؛ كذلك في النص ذاته نجد عبارة، " فقال رئيس جند الرب ليشوع اخلع نعلك من رجلك لان المكان الذي أنت واقف عليه هو مقدس ففعل يشوع كذلك " ( 15:5 )؛ التي تتطابق مع قول الرب لموسى في سفر الخروج، " فقال لا تقترب إلى  ههنا اخلع حذائك من رجليك لان الموضع الذي أنت واقف عليه ارض مقدسة " ( 5:3 )!

13 – عند الطرفين على حد سواء نجد ملاك الرب الذي يقوم بحفظ موسى في الطريق ( خروج 2:23 )، ويسقط أمامه يشوع على وجهه ( يشوع 14:5 ).

14 – من المفيد أن نقارن بين صلاتي يشوع وموسى:

" فمزق يشوع ثيابه و سقط على وجهه إلى  الأرض  امام تابوت الرب إلى  المساء هو وشيوخ إسرائيل ووضعوا تراباً على رؤوسهم. و قال يشوع: آه يا سيد الرب؛ لماذا عبرت هذا الشعب الأردن تعبيراً لكي تدفعنا إلى  يد الأموريين ليبيدونا؟ ليتنا ارتضينا و سكنا في عبر الأردن. أسالك يا سيد: ماذا أقول بعدما حول إسرائيل قفاه أمام أعدائه؟ فيسمع الكنعانيون وجميع سكان الأرض  ويحيطون بنا ويقرضون اسمنا من الأرض؛  وماذا تصنع لاسمك العظيم" ( يشوع 7: 6 – 9 ).

" فتضرع موسى امام الرب إلهه وقال: لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من ارض مصر بقوة عظيمة و يد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال و يفنيهم عن وجه الأرض  ارجع عن حمو غضبك و اندم على الشر بشعبك. اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم: أكثر نسلكم كنجوم السماء وأعطي نسلكم كل هذه الأرض  الذي تكلمت عنها فيملكونها إلى  الأبد. فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه " ( خروج 32: 11 – 14 ).

15 – موسى ويشوع يبنيان مذبحين من حجارة غير منحوتة ( يشوع 30:8؛ خروج 25:20 ).

غزو أريحا:

في الحديث عن غزو أريحا، يقول سفر يشوع: " وحرموا كل ما في المدينة من رجل و امرأة من طفل و شيخ حتى البقر و الغنم و الحمير بحد السيف " ( 21:6 ). لكن الواقع أن الرواية حول غزو يشوع لأريحا ليس تاريخية بأية حال حتى في صيغتها الأولية؛ فعلم الآثار، كما تعرفنا كتابات كاثلين كينون، لا يقدّم أي دليل على دمار أريحا في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. مع ذلك، لا يمكن أن تكون شهادات علم الآثار حاسمة بالمطلق، لأن طبقات من تلك الحقبة التاريخية ربما أزالها التلف!

فشل غزو عاي في سفر يشوع ملفت للغاية. يقال إن عاكان بن كرمي بن زبدي بن زارح من سبط يهوذا فشل في غزو عاي لأنه أخذ من الحرام. وهذه الرواية التي من أصل بنياميني، معاد ليهوذا، تستخدم من أجل لهذا الغرض! فالعدائية بين الطرفين أدت على الأرجح إلى  اختلاق روايات تخدم دعاية هذا الطرف أو ذاك. إضافة إلى  أن حادثة العاي تبدو متطابقة مع رواية الاستيلاء على جبعة في سفر القضاة ( 20 ). ومن الصعب بالطبع أن نولي لهذه القصة قيمة تاريخية.

من ناحية أخرى فأخبار الأيام الأول يحوّل اسم عاكان إلى عاكار ( 7:2 )؛ فهل يمكن أن يكون المقصود باسمه، عاكار، جالب النحس؟

بالمقابل، لا يمكن أن يعزا غزو حبرون ودبير ليشوع؛ فبنو كالب هم من احتلهما ( 15: 13 – 17)؛ أما لبنة ولاكيش وعجلون، التي ينسب يشوع لذاته غزوها " وضربها بحد السيف وقتل كل من فيها "، فلم تصبح بحوزة الأسباط إلا بعد زمن يشوع بسنوات طويلة.

سفر المستقيم ووقوف الشمس:

في سفر يشوع نقرأ النص الهام التالي: " حينئذ كلم يشوع الرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل؛ وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي ايلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه! أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر: فوقفت الشمس في كبد السماء و لم تعجل للغروب نحو يوم كامل؟؟"( 10: 12 – 13 ).

هذا النص كان محور دراسة دائمة قام بها لاهوتيون ومفكرون منذ زمن طويل. فإضافة إلى الخطأ العلمي الفادح بمسألة توقف الشمس عن الدوران من أجل أن يطول النهار فيقاتل يشوع بن نون أعدائه، ثمة مسألة لا تقل أهمية عن تلك المشار إليها تتجسّد في الحديث عن سفر يشار أو سفر المستقيم. فهل سفر ياشار هو أحد الأسفار المقدسة القديمة التي ضاعت؟ وهل ثمة أسفار أخرى ضائعة؟ وإلى أي حد اعتمد يشوع في سفره على سفر ياشار؟

سفر يشوع هو الحامل الأساسي للعدوانية الإسرائيلية اليوم: فإذا ثبت بالكامل أن هذا السفر ليس غير ميثولوجيا منكهة بطعم التاريخ، فعلى م ستظل العدوانية الإسرائيلية تعتمد أساساً أيديولوجياً لمزاعمها الحالية؟

 

 

 

 

يشوع بن نون: مقالة نقدية!

ومعنى اسمه " يهوه خلاص "! اسمه الأصلي هوشع ( خلاص ) ( عدد 8:13 ). في سفر الأيام الأول يرد اسمه يهوشوع ( 27:7 ). سمّاه موسى النبي يشوع ( عدد 16:13 ). إنه خليفة موسى؛ من سبط أفراييم، وكان قد ولد في مصر. كان أولاً خادماً لموسى ( خروج 13:24 ). ذكر للمرة الأولى في معركة رفيديم. ثم عينه موسى قائداً لبني إسرائيل ( 9:17 )؛ وكان في الرابعة والأربعين من العمر. ثم عينه موسى خليفة له ( عدد 27: 18 – 23؛ تثنية 38:1؛ 31: 14، 23 ). اختاره موسى جاسوساً عن سبطه أفراييم، مع كالب بن يفنه من سبط يهوذا ( عدد 13: 6، 8 ). ويمكن هنا المقارنة بين موسى ويشوع في مسألة التجسس ( عدد 13؛ يشوع 2 ). وفي حرب العماليق هزمهم يشوع بحد السيف ( خروج 13:17).

يشوع بن نون، بحسب التقاليد ليهودية، هو أحد الأنبياء الأولين. لكن بين الأخبار المتعلقة به التي تقصها علينا التوراة وتاريخ التحرير النهائي للسفر بضعة قرون.

من هنا، فالصورة التي تعرض لنا من خلال هذا السفر الهام والتي تفيد بأن الأسباط الإسرائيلية استطاعت متحالفة أن تغزو أرض كنعان بالكامل لا يمكن أن تصمد أمام النقدية التاريخية. فأرض كنعان لم تغز فعلياً من جانب إسرائيليين إلا في أيام داود كما يفترض ( القرن العاشر ق.م. ). قبل هذا التاريخ، لم يتعرّض الكنعانيون لإبادة جماعية، بل كانوا موجودين في السهوب، وكثيراً ما كانوا يتعايشون مع بني إسرائيل، كما يقول السفر ذاته ( 63:15؛ 10:16؛ 17: 12، 18 ). ثم نكتشف أيضاً أنه عند موت يشوع بن نون أنه كان ثمة أرض واسعة لم يكن قد استولى عليها، رغم أنها قسمت بين الأسباط! من هنا نستطيع القول إن سفر يشوع ليس سجلاً يروي بنوع من التسلسل مراحل غزو كنعان وإقامة الشعب فيها؛ دون أن ينفي ذلك اعتراف النقاد بالقيمة التاريخية للتقاليد التي يستند إليها السفر.

يمكن القول أيضاً إن محرراً ينتمي إلى  المدرسة التي أنتجت لنا سفر الثنية أعاد من جديد قراءة سفر يشوع؛ فكانت هذه القراءة المعادة أقرب ما تكون إلى  تأمل في تاريخ إسرائيل على ضوء الاختبارات التي استجدت في القرنين السابع والسادس ق.م. كذلك لا يمكن إلا أن نشير إلى  الجدل المتجدد بين الباحثين حول مسألة وحدة الأسباط.

من ناحية أخرى، تبدو مسألة إبادة الشعوب – الكنعانيون هنا – نظرية أكثر منها واقعية. وقد تم ابتداع هذا التصور لاحقاً، وذلك مع اتضاح خطر الوثنية على إسرائيل. أما تقسيم الأراضي المحوري في سفر يشوع فيتضمن تكملات لاحقة وذلك بالإشارة إلى  تطوّر الأوضاع في يهوذا وإسرائيل في زمن الملكية.

التناقضات التاريخية في سفر يشوع:

في سفر القضاة، 1: 22 – 26، نجد حديثاً غير مطوّل عن غزو بيت إيل، في حين لا يذكر سفر يشوع شيئاً من هذا القبيل.

في سفر يشوع يقال إن من غزا حبرون ودبير هو يشوع بن نون ( 10: 36-39 )؛ في حن يقال في السفر ذاته إن من أخذ حبرون هو كالب ( 15: 13-14، 17 )؛ وإن من أخذ دبير هو عثنئيل، بحسب سفر القضاة ( 1: 11 – 13 ).

بداية السفر تقول: " من البرية و لبنان هذا إلى  النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى  البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم " ( 4:1 )! وهو يتناقض مع نص في الإصحاح ذاته، يقول: " نساؤكم و أطفالكم ومواشيكم تلبث في الأرض  التي أعطاكم موسى في عبر الأردن... ثم ترجعون إلى  ارض ميراثكم وتمتلكونها التي أعطاكم موسى عبد الرب في عبر الأردن نحو شروق الشمس " ( 1: 14، 15 ). – مع ملاحظة أن تمركز الحثيين كان في سوريا وآسيا الصغرى!

في السفر ذاته نجد أن الآية 15:2 مقحمة: " فأنزلتهما بحبل من الكوة لان بيتها بحائط السور وهي سكنت بالسور "؛ والتحليل المنطقي يقول إنها كان يجب أن تكون في نهاية الإصحاح الثاني!

المقارنة بين يشوع وموسى:

التشابهات ملفتة للغاية بين الحوادث التي تعرّض لها موسى وتلك التي تعرّض لها خليفته، يشوع بن نون!

1 – إيقاف الرب لمياه نهر الأردن وعبور الجمهور من خلالها في سفر يشوع ( 3: 7 – 4: 18 )؛ يشابه للغاية تجفيف الرب لمياه بحر القصب [ بحر سوف ] كي يعبر موسى وأتباعه ( خروج 14: 5 – 21 ).

2 – عند يشوع نجد أن افتتاح العبور يكون بتابوت الرب ( 3: 6 – 17؛ 4: 10 – 11 )؛ وعند موسى نجد أن عمود الغمام أو النار يفتتح العبور ( خروج 13: 21 – 22؛ 14: 19 – 20 ).

لا بد أن نشير هنا إلى  أن التعبير عن الظهور الإلهي يتغيّر في التوراة بحسب التقليد! ففي التقليد اليهووي يعبّر عن ذلك بعمود الغمام وعمود النار؛ وفي التقليد الإيلوهيمي نقرأ أن الظهور الإلهي يتمثّل بالغيم المظلم؛ أما في التقليد الكهنوتي فنجد أن الرب ذاته يتحرّك.

3 – في الآيتين ( 7:3 و 14:4 ) من سفر يشوع، يتقمص الأخير دور موسى!

4 – الختان الذي ينسب لشعب الخروج، يتم تجديده في الأحفاد المولودين في البريّة!

5 – المن، طعام البريّة ( خروج 16 )، يتوقف حال دخول الشعب أرض كنعان ( يش 12:5 ).

6 – الفصح في سفر الخروج يأتي قبل العبور الأول ( 12: 1 – 21؛ 13: 3 – 10 )؛ أما الفصح في سفر يشوع فيحل في الجلجال بعد العبور الثاني ( 10:5 ).

7 – يمكن أيضاً أن نقارن بين طلب موسى من الشعب أن يتقدّس ( خروج 15:19 )، وطلب يشوع المماثل ( 5:3 ).

8 – الرب يكون وسط الشعب ( خروج 9:34؛ يشوع 10:3 ).

9 – العلامة لأبنائهم في الخروج هي الدم ( 26:12 ) وعند يشوع هي الحجارة ( 4: 6 – 7 )!

10 – أعداد الناس متطابقة: أربعون ألفاً!

11 – في سفر يشوع، يقول الرب لهذا النبي: " وكان بعدما انتهى جميع الشعب من الاختتان أنهم أقاموا في أماكنهم في المحلة حتى برئوا. وقال الرب ليشوع اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر فدعي اسم ذلك المكان الجلجال إلى  هذا اليوم " ( 5: 9 – 10 ). لكن الواقع يقول إن عار المصريين الذي دحرج عن بني إسرائيل المتمثل بكون الذكر غير مختون تناقضه حقيقة أن الختان كان شائعاً بين المصريين القدماء كما تظهر المومياءات المصرية القديمة.

12 – النص في سفر يشوع، 5: 13 – 15، مقحم دون مقدمات، وهو ما يجعل من الأرجح أن يكون بقايا لتقليد قديم مفقود؛ كذلك في النص ذاته نجد عبارة، " فقال رئيس جند الرب ليشوع اخلع نعلك من رجلك لان المكان الذي أنت واقف عليه هو مقدس ففعل يشوع كذلك " ( 15:5 )؛ التي تتطابق مع قول الرب لموسى في سفر الخروج، " فقال لا تقترب إلى  ههنا اخلع حذائك من رجليك لان الموضع الذي أنت واقف عليه ارض مقدسة " ( 5:3 )!

13 – عند الطرفين على حد سواء نجد ملاك الرب الذي يقوم بحفظ موسى في الطريق ( خروج 2:23 )، ويسقط أمامه يشوع على وجهه ( يشوع 14:5 ).

14 – من المفيد أن نقارن بين صلاتي يشوع وموسى:

" فمزق يشوع ثيابه و سقط على وجهه إلى  الأرض  امام تابوت الرب إلى  المساء هو وشيوخ إسرائيل ووضعوا تراباً على رؤوسهم. و قال يشوع: آه يا سيد الرب؛ لماذا عبرت هذا الشعب الأردن تعبيراً لكي تدفعنا إلى  يد الأموريين ليبيدونا؟ ليتنا ارتضينا و سكنا في عبر الأردن. أسالك يا سيد: ماذا أقول بعدما حول إسرائيل قفاه أمام أعدائه؟ فيسمع الكنعانيون وجميع سكان الأرض  ويحيطون بنا ويقرضون اسمنا من الأرض؛  وماذا تصنع لاسمك العظيم" ( يشوع 7: 6 – 9 ).

" فتضرع موسى امام الرب إلهه وقال: لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من ارض مصر بقوة عظيمة و يد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين: أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال و يفنيهم عن وجه الأرض  ارجع عن حمو غضبك و اندم على الشر بشعبك. اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم: أكثر نسلكم كنجوم السماء وأعطي نسلكم كل هذه الأرض  الذي تكلمت عنها فيملكونها إلى  الأبد. فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه " ( خروج 32: 11 – 14 ).

15 – موسى ويشوع يبنيان مذبحين من حجارة غير منحوتة ( يشوع 30:8؛ خروج 25:20 ).

غزو أريحا:

في الحديث عن غزو أريحا، يقول سفر يشوع: " وحرموا كل ما في المدينة من رجل و امرأة من طفل و شيخ حتى البقر و الغنم و الحمير بحد السيف " ( 21:6 ). لكن الواقع أن الرواية حول غزو يشوع لأريحا ليس تاريخية بأية حال حتى في صيغتها الأولية؛ فعلم الآثار، كما تعرفنا كتابات كاثلين كينون، لا يقدّم أي دليل على دمار أريحا في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. مع ذلك، لا يمكن أن تكون شهادات علم الآثار حاسمة بالمطلق، لأن طبقات من تلك الحقبة التاريخية ربما أزالها التلف!

فشل غزو عاي في سفر يشوع ملفت للغاية. يقال إن عاكان بن كرمي بن زبدي بن زارح من سبط يهوذا فشل في غزو عاي لأنه أخذ من الحرام. وهذه الرواية التي من أصل بنياميني، معاد ليهوذا، تستخدم من أجل لهذا الغرض! فالعدائية بين الطرفين أدت على الأرجح إلى  اختلاق روايات تخدم دعاية هذا الطرف أو ذاك. إضافة إلى  أن حادثة العاي تبدو متطابقة مع رواية الاستيلاء على جبعة في سفر القضاة ( 20 ). ومن الصعب بالطبع أن نولي لهذه القصة قيمة تاريخية.

من ناحية أخرى فأخبار الأيام الأول يحوّل اسم عاكان إلى عاكار ( 7:2 )؛ فهل يمكن أن يكون المقصود باسمه، عاكار، جالب النحس؟

بالمقابل، لا يمكن أن يعزا غزو حبرون ودبير ليشوع؛ فبنو كالب هم من احتلهما ( 15: 13 – 17)؛ أما لبنة ولاكيش وعجلون، التي ينسب يشوع لذاته غزوها " وضربها بحد السيف وقتل كل من فيها "، فلم تصبح بحوزة الأسباط إلا بعد زمن يشوع بسنوات طويلة.

سفر المستقيم ووقوف الشمس:

في سفر يشوع نقرأ النص الهام التالي: " حينئذ كلم يشوع الرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل؛ وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي ايلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه! أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر: فوقفت الشمس في كبد السماء و لم تعجل للغروب نحو يوم كامل؟؟"( 10: 12 – 13 ).

هذا النص كان محور دراسة دائمة قام بها لاهوتيون ومفكرون منذ زمن طويل. فإضافة إلى الخطأ العلمي الفادح بمسألة توقف الشمس عن الدوران من أجل أن يطول النهار فيقاتل يشوع بن نون أعدائه، ثمة مسألة لا تقل أهمية عن تلك المشار إليها تتجسّد في الحديث عن سفر يشار أو سفر المستقيم. فهل سفر ياشار هو أحد الأسفار المقدسة القديمة التي ضاعت؟ وهل ثمة أسفار أخرى ضائعة؟ وإلى أي حد اعتمد يشوع في سفره على سفر ياشار؟

سفر يشوع هو الحامل الأساسي للعدوانية الإسرائيلية اليوم: فإذا ثبت بالكامل أن هذا السفر ليس غير ميثولوجيا منكهة بطعم التاريخ، فعلى م ستظل العدوانية الإسرائيلية تعتمد أساساً أيديولوجياً لمزاعمها الحالية؟

Who's Online

14 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات يشوع بن نون: مقالة نقدية!