نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

تاريخ الملائكة

مختصر تاريخ الملائكة: من البدايات إلى العصر الحديث!

المصطلح ملاك، المشتق من اللاتينية المتأخرة angelus (تعني حرفياً، "مرسلاً")، المستعارة بدورها من اليونانية المتأخرة ἄγγελος  أغيلوس، والتي تترجم من قبل غير الناطقين باليونانية باللفظ أنغيلوس ángelos. يرى الألسني الهولندي، ر. س. بي. بيكس[1]، أن أنغيلوس ذاتها يمكن أن تكون مستعارة من الشرق، مثل ἄγγαρος.

الكلمة اليونانية angelos، مرادفة للكلمة العبرية ملاخ מַלְאָךְ‎ mal’akh, جمعها ملاخيم: מלאכים al’akhim ، وهي تعني "مرسلاً" أيضاً. إن المعنى الحرفي للكلمة ملاك إنما يدلّ أكثر من ثم على الوظيفة أو الوضعية لمثل هذه الكائنات في تسلسل هرمي كوني وليس على دلالات الجوهر أو الطبيعة، والتي كانت بارزة في التقوى الشعبية، خاصة في الأديان الإيراهيمية. وبالتالي، فإن للملائكة أهميتهم في المقام الأول في ما يفعلونه أكثر مما هم يكونونه. أياً كان جوهرهم أو طبيعتهم الفطرية فهم يمتلكونهما من حيث علاقتهم بمصدرهم (الله، أو الكائن النهائي). وبسبب علم الأيقونات الغربي (نظام رموز الصور) الخاص بالملائكة، فقد أضفي عليهم الهويات الأساسية التي تتجاوز في كثير من الأحيان علاقاتهم الوظيفية بالقدوس أو المقدس وعلاقاتهم الأدائية بالعالم المدنس. وبعبارة أخرى، فإن التقوى الشعبية، التي تتغذى على تمثيلات الملائكة الغرافيكية والرمزية، قد شكّلت إلى حد ما وضعية نصف إلهية أو حتى إلهية للشخصيات الملائكية. وعلى الرغم من أن مثل هذه الظهورات لا تُكرّس عادة مذهبيّاً أو لاهوتياً، إلا أن بعض الشخصيات الملائكية، مثل ميثرا (وهو إله فارسي، أصبح في الزرادشتية وسيطًا ملائكيًا بين السماء والأرض وهو يدين ويحفظ العالم المخلوق)، قد أحرز وضعية نصف إلهية أو إلهية عند طوائفه الخاصة.

إن الطبيعة الدقيقة للكائنات غير البشرية المذكورة في الكتاب المقدس - الملائكة ، أو الرسل ليست واضحة تمامًا، ويبدو أن أدوارهم سريعة الزوال. في الفترة اللاحقة للحقبة، ربما تحت التأثير الإيراني، وفي الأدب المتأخر الكتابي وما بعد الكتاب المقدس، تظهر هذه الكائنات كأفراد أكثر اكتمالاً وغالباً ما يكونون كأفراد يمكن التعرف عليهم بأسمائهم الشخصية. لقد أفسحت النظرة الكتابية غير المركزة الطريق أمام تسلسل هرمي من الموظفين الذين تصرفوا، في بعض الرؤى الأبوكاليبتية، كبيروقراطية سماوية حقيقية. وعلى الرغم من وجود توافق في الآراء بشأن وجودها، لم يكن هناك اتفاق يذكر حول دورها أو أهميتها. في بعض المدراشيم Midrashim ، يطلب الله مشورتهم؛ في مصادر أخرى، فإن الحاخامات يحثون اليهود على عدم إشراكهم بل على الاقتراب من الله مباشرة.

مثل الأشكال المضادّة من الشياطين، الملائكة لها وجود متبقٍ متجذر في طبقات مختلفة من التجربة اليهودية وتفسير الكون. في بعض الأحيان تكون فردية للغاية وتُحَقق بحدة؛ في أحيان أخرى هم أكثر خيالية. اخترع القباليون Kabbalists باستمرار ملائكة جديدة وزودوها بشبكة معقدة لوجودها الكوني. لكن دورهم، حتى في فترات التركيز، كان هامشيًا، وكانوا خارج الحركات والمعاني العظيمة للفكر اليهودي.

خلال تاريخ الأديان، تواجدت أنواع ودرجات اعتقادات بمختلف الكائنات والقوى والمبادئ الروحية التي تتوسط بين العالم المقدس أو القدسي – أي، العالم المتسامي - والعالم الدنيوي للزمان والمكان، العلّة والمعلول. وعادة ما تسمى هذه الكائنات الروحية عندما ينظر إليها على أنها خيرة بالملائكة في الأديان الإبراهيمية؛ وأولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم "أشرار" يُطلق عليهم الاسم "شياطين". في الديانات الأخرى - الشرقية، القديمة، وغير المتعلمة - هذه الكائنات الوسيطة أقل حسماً في تصنيفها، لأنها قد تكون خيرة في بعض الظروف وشريرة في أخرى.

في الزرادشتية كان هناك اعتقاد بمجموعة الأميشا سبندا أو سبنتا amesha spendas ، أو الخالدون المقدسة أو الخيّرون، الذين كانوا سمات وظيفية أو كيانات لأهورا مزدا Ahura Mazdā، الرب الحكيم. أحد الأميشا سبنتا، وهو فوهو ماناه (العقل الخيّر)، كشف للنبي الإيراني زرادشت (القرن السادس قبل الميلاد؟) عن الإله الحقيقي، طبيعته، وعن نوع من الميثاق الأخلاقي، الذي قد يقبله الإنسان ويطيعه أو يرفضه ويعصيه. وعلى نحو مماثل، بعد حوالي 1200 سنة، كشف الملاك جبريل (المرسل من الله) للنبي محمد (القرنان 6 - 7 م) عن القرآن (الكتاب الإسلامي المقدّس) وعن الإله الحقيقي (الله)، وحدانيته، والمتطلبات الأخلاقية والعبادية للإسلام. الصفات المستخدمة لوصف جبريل، رسول الله - "روح القداسة" و"الروح المخلصة" - مشابهة لتلك التي تطلق على الأميشا سبنتا الزرادشتية والأقنوم الثالث من الثالوث (الآب والابن والقدس الروح) في المسيحية. في هذه الديانات التوحيدية (على الرغم من أن الزرادشتية أصبحت ثنوية في وقت لاحق وفي اعتقادنا أن الإسلام واليهودية، رغم الزعم بالتوحيد، كما أشرنا من قبل، يبدو طابعهما الثنوي واضحاً للغاية) كما هو الحال في اليهودية، فإن الخصائص الوظيفية للملائكة يتم التعبير عنها بوضوح أكثر من خصائصها الأنطولوجية (أو طبيعة الكينونة) – عدا في الحالات الكثيرة التي يتم فيها طغيان التقوى والأسطورة الشعبيتين على الجوانب الوظيفية.

الديانات المختلفة، بما في ذلك الديانات غير المتعلمة، لديها معتقدات بالكائنات الوسيطة بين العوالم المقدسة والدنيوية، لكن الاعتقاد هو الأكثر تفصيلاً في الديانات الإبراهيمية والزرادشتية.

الشياطين:

تُشتق الكلمة الإنكليزية الحديثةdevil  (شيطان أو شرير) من اللفظة الإنكليزية الوسيطة ديوفول  dēofol، التي تمثّل بدورها استعارة ألمانية قديمة من اللفظة اللاتينية ديابولوس diabolus، وهذه بدورها أيضاً مستعارة من اليونانية ديابولوس  διάβολος ، "المفتري"، التي هي مشتقة من الفعل ديابالين διαβάλλειν، "يفتري"، المكون من ديا διά، "عبر، خلال"، وبالين βάλλειν، "يرشق".

دايمون Daemon  هي المعادل اللاتيني لمصطلح دايمونδαίμων اليوناني، الذي يعني: "إله"، "مثل إله"، "قوة"، "قدر"، والذي كان يعني أصلاً إلهاً أدنى شأناً أو روحاً هادية. والكلمة مشتقة بدورها من دايمون daimon الهندو-أوروبية البدئية التي تعني "مزوّد، مقسّم" (الثروات أو الأقدار، من الفعل دا، الذي يعني "يقسم"). ربما نُظر إلى دايمون على أنه إله حافظ، وفق الباب  δαίμωνفي معجم ليدل وسكوت اليوناني الإنكليزي.

يظهر المفهوم دايمون اليوناني على نحو ملحوظ في اعمال أفلاطون، حيث يصف الوحي الإلهي لسقراط.

إذن، يشتق المصطلح شيطان من الكلمة اليونانية daimōn ، التي تعني "كائن خارق للطبيعة" أو "روح". وعلى الرغم من أنه يرتبط عادة بروح شريرة أو سيئة، فإن هذا المصطلح يعني في الأصل كائنًا روحانيًا يؤثر في شخصية الشخص. فعلى سبيل المثال، كان agathos daimōn ("روح خيّرة") طيباً في علاقته بالبشر. تحدّث الفيلسوف اليوناني سقراط، على سبيل المثال، عن الدايمون باعتباره روحًا ألهمته البحث عن الحقيقة والتحدث عنها. وراح المصطلح يطبّق بالتدريج على الأرواح الأدنى شأناً في عالم ما فوق الطبيعة والتي مارست ضغوطًا على الناس للقيام بأعمال غير مؤاتية لخيرهم. وقد تم ترجيح التفسير السائد لصالح الحقد وما ينطوي عليه من شر ومأساة وفساد.

في أديان الشعوب غير المتعلّمة، قد يُنظر إلى الكائنات الروحية على أنها إما خبيثة أو خيّرة وفقاً للظروف التي تواجه الفرد أو المجتمع. وبالتالي، فإن التصنيف المعتاد الذي يضع الشياطين بين الكائنات الحاقدة لا ينطبق بشكل كامل بالإشارة إلى هذه الأديان.

وكما أشرنا غير مرّة، إنّ مواقف الكائنات أو الكيانات الروحية التي ينظر إليها على أنها خيرة أو حاقدة، تُعكس مع مرور الوقت. وقد كان هذا هو الحال في الديانة الهندية الإيرانية القديمة، التي تطورت منها الديانة الزرادشتية القديمة والديانة  الهندوسية القديمة كما تنعكس في الفيدات (ترانيم آرية قديمة). في الديانة الزرادشتية، كان ينظر إلى الديفاتdaevas  على أنها كائنات حاقدة، لكن نظرائها، أي الديفات devas في الهندوسية القديمة، كانوا ينظر إليهم على أنهم آلهة. كانت أهورات الزرادشتية "أرباباً" خيرين، لكن نظراءهم في الهندوسية، الأسورات، حوّلوا إلى أرباب أشرار. وبطريقة مماثلة ، أصبح الشيطان، المدعي العام بالنسبة للبشر في محكمة عدل الله في سفر أيوب[2] من العهد القديم، العدو الرئيس للمسيح في المسيحية والإنسان في الإسلام. وتشير العديد من التحولات المماثلة إلى أن الفروق الحادة بين الملائكة كخيرين والشياطين كخبثاء قد تكون مفرطة في التبسيط، مع ذلك قد تكون هذه التسميات مفيدة كمؤشرات للوظائف العامة لمثل هذه الكائنات الروحية.

 

أشكال سماوية وغير سماوية: علاقات المعتقدات بالملائكة والشياطين بالمنظورات للكون:

لأن الإنسان يهتم كثيرًا بالحدود – أي، ما يجعله مختلفًا عن الكائنات الحية الأخرى، ما يجعل مجتمعه (وبالتالي عالمه) مختلفًا عن المجتمعات الأخرى (والعوالم الأخرى) – فإن نظرته إلى الكون أثرت في فهمه لما يسمى بالملائكة والشياطين. يمكن النظر إلى الكون على أنه أحادي، كما هو الحال في الهندوسية، حيث يعتبر الكون مقدسًا بالكامل أو مشاركًا في مبدأ إلهي فردي (براهمان أو الكائن ذاته). وقد يُنظر إلى الكون أيضًا على أنه ثنائي، كما هو الحال في الغنوصية (منظومة اعتقاد دينية باطنية ثنوية، يُنظر إليها غالبًا على أنها حركة هرطقة مسيحية، ازدهرت في العالم اليوناني-الروماني في القرنين الأول والثاني للميلاد)، حيث كان يُنظر إلى عالم المادة عمومًا على أنه شرير وإلى عالم الروح على أنه خيّر. نظرة ثالثة للكون، وجدت عموماً في الديانات التوحيدية، أي، اليهودية، الزرادشتية، المسيحية، والإسلام، تركزت على الكون الثلاثي: السماوي، الأرضي، وما تحت الأرضي. وقد أثر هذا الرأي الثالث على مفاهيم الإنسان الغربي للملائكة والشياطين وكذلك على مفاهيمه العلمية والميتافيزيقية.

العلاقة مع وجهات نظر الكون الثلاثي

في عوالم الفكر الكتابيّة، الهلنستية (الثقافية اليونانية الرومانية)، والإسلامية، كان العالم الأرضي عالمًا كان فيه الإنسان محدودًا بعوامل الزمان والمكان والسبب والأثر. كان العالم السماوي ، الذي يتألف عمومًا من سبع سموات أو مجالات تهيمن عليها الكواكب السبعة المعروفة وقتها، عالم الإلهية والروحية. وكان عالم ما تحت الأرض منطقة الفوضى والقوى الروحية للظلمة. في أعلى مستوى للعالم السماوي كان أقصى ما هو مقدّس أو قدسي: على سبيل المثال، يهوه، إله اليهودية، الذي كان اسمه مقدّساً إلى درجة أنه لا يجب لفظه؛ بيثوس Bythos، بداية غير معروفة خلف بدايات الغنوصية؛ الآب السماوي للمسيحية، المعروف من خلال لوغوسه (الكلمة الإلهية، أو العقل، يسوع المسيح)؛ والله، القوي، القدير، والعلي، إله الإسلام.

من أجل الكشف عن غرض الإنسان ومصيره – وهو أعلى كائن في العالم الأرضي – فإنّ المطلق في العالم السماوي مكّن الإنسان، وفقاً لهذه الآراء، من الوصول إلى معرفة من هو، ما هو أصله، وما هو مصيره، وذلك عبر رسل سماويين – ملائكة. كانت الرسالة، أو الوحي، تركز عادة على هوية مصدر الوحي – أي، الكائن المطلق – وعلى مصير الإنسان حسب ردة فعله. وبسبب صدع كوني في العالم السماوي قبل خلق العالم أو إعلان الوحي، تحاول الملائكة، معتمدة على علاقتها مع الخالق، خداع الإنسان بوحي زائف أو بكشف الحقيقة حول طبيعة الإنسان الحقيقية (أو هويته)، أصله، وقدره. يجب أن نلاحظ أنّ الملائكة الذين حاولوا إفساد رسالة الكائن السماوي المطلق من أجل تشويش فهم الإنسان لوضع حدوده الحالية ككائن أرضي أو مصيره ككائن ما فوق أرضي – مع أنها لا تسمى دائمًا بالشياطين – هي خبيثة كوظيفة. وبين هؤلاء الملائكة الحاقدين نجد شيطان المسيحية واليهودية أو إبليس (شيطان) الإسلام، الذي هو، متنكراً بهيئة ثعبان في القصة التوراتية عن جنّة عدن - وفقا لتفسيرات لاحقة للقصة - حاول تعطيل فهم الإنسان لحدوده المخلوقة، أو قيوده. وقد فعل هذا من خلال إغراء الرجل كي يأكل من ثمرة شجرة معرفة الخير والشر حتى يصبح مثل الله (أو الكائنات الإلهية في المحكمة السماوية). في الزرادشتية ، حاول روح الشر (أنغرا مانيو، الذي صار اسمه لاحقاً أهريمان) - من خلال الأرواح التابعة له مثل الذهن الشرير، الكذب والغرور – خداع الإنسان الأرضي حتى يختار مصيرًا كان ما تحت أرضي - عقاب في هوة الجحيم .

العلاقة بالآراء المتعلّقة بالكون الثلاثي:

في أعقاب ثورة كوبرنيكوس (1473 – 1543) التي تعود إلى القرن السادس عشر، حيث تم تغيير نظر الإنسان للكون بشكل جذري - أي لم يعد ينظر إلى الأرض كمركز للكون، بل بدلاً عن ذلك، فإنها مجرد كوكب في النظام الشمسي الذي يعتبر جزءًا صغيرًا جدًا من مجرة في عالم يبدو أنه لا نهائي، لم تعد مفاهيم الملائكة والشياطين تبدو ملائمة. وبدا أنّ الكون الثلاثي - السماء في الأعلى، الأرض في المنتصف، والجحيم تحت - مفارقة تاريخية.

مع ظهور علم النفس الغربي الحديث والدراسات النفسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، فإن المبادئ الأساسية للاعتقاد بالملائكة والشياطين أخذت معانٍ جديدة. ووجد العديد من اللاهوتيين المسيحيين بعض مفاهيم التحليل النفسي مفيدة في إعادة تفسير المعاني الكامنة خلف المعتقدات البدائية والتقليدية في الملائكة والشياطين. فأعيد تشكيل الكون الثلاثي ميثولوجياً ضمن بنية ثلاثية للشخصية - الأنا العليا (اللوائح الاجتماعية التقييدية التي تمكن الإنسان من العيش ككيان اجتماعي)، والأنا (الجوانب الواعية للإنسان)، والهوية، أو الرغبة الجنسية libido ( "مرجل رغبة عارم يغلي، رغبة تسعى إلى أن تنفجر من تحت عتبة الوعي"). وهكذا، يمكن إعادة تعريف الشياطين ـ وفقاً لإعادة التفسير هذه ـ على أنها إسقاطات للدوافع غير المنظمة عند الإنسان التي تجبره على التصرف فقط وفقًا لرغباته الأنانية، مع عدم مراعاة تأثيراتها على الأشخاص الآخرين. من وجهة نظر اجتماعية، يمكن تعريف الشياطين أيضًا بأنها القوى البيئية والوراثية التي تجعل الإنسان يتصرف ويفكر ويتحدث بطرق تتعارض مع رفاه نفسه ومجتمعه.  لقد أكد الكاتب الفرنسي المعاصر، دينيس دي روجيمون (1906 – 1985)، في كتابه حصّة الشيطان The Devil’s Share، أن الشيطان والقوى الشيطانية التي ابتلي بها العالم الحديث يمكن أن تكون موثقة بشكل جيد في عودة الإنسان الحديث إلى البربرية ولا إنسانية الإنسان حيال الإنسان. في القرن الثاني الميلادي، أشار إقليمنضس السكندري، وهو لاهوتي فلسفي مسيحي، إلى التفسير النفسي للقوى الشيطانية بالقول إن الإنسان كان غالبًا ما يؤسر من دوافع الشهية الداخلية لشغفه ورغباته الجسدية. وهكذا استهلّت "الأسطورة" الفرويدية حول الشخصية الإنسانية وغيرها من الدراسات النفسية بعدًا جديدًا في دراسة الملائكة والشياطين. ومن ثم تم استبدال صور الإيقونات من القرون الوسطى، التي تصوّر الملائكة والشياطين وصفيّاً كمخلوقات هجينة تتحدى في كثير من الأحيان حتى أكثر التصورات حيوية للأشخاص الذين صوّروهم، بالرمزية الأسطورية النفسية، التحليلية النفسية، والأسطورية الحديثة المرافقة للتفكير اللاهوتي.

العلاقة بالمنظورات الثنوية للكون:

في التقاليد الدينية التي نظرت إلى الكون بأسلوب ثنائي، مثل الغنوصية، كان يُعتقد أن الملائكة كائنات سماوية تتحكم في عوالم معينة تمر بها الروح حيث تحرر نفسها من أغلال وجودها المادي. كانت معرفة هؤلاء الملائكة وأسمائهم شرطًا ضروريًا لتحقيق الاتحاد في نهاية المطاف مع الواقع الروحي النهائي. وبين القوائم المختلفة للملائكة السبعة التي تحكم الكواكب السبعة نجد جبرائيل، أدوناي (الرب)، أرييل (أسد الله)، وغيرهم. كان ملاك خلق العالم من المادة، يهوه (الذي يطلق عليه أحيانًا اسم الديميورج Demiurge، الخالق)، شريراً، في المنظور الغنوصي، ليس فقط لأنه كان الخالق، بل لأنه حاول أيضًا إبعاد البشر الروحيين عن معرفة أصلهم الحقيقي، طبيعتهم، ومصيرهم.

المانوية، وهي ديانة ثنوية تأسست في القرن الثالث الميلادي من قبل ماني، وهو نبي إيراني، قسمت العالم، مثل الغنوصية، إلى مجالين – الخير (النور) والشر (الظلمة). هذان المبدآن ممزوجان في عالم المادة، وهدف الخلاص هو فك تمازج المادة والروح بحيث يمكن للمرء أن يصل إلى حالة من الخير المطلق. الأعلى مرتبة في التسلسل الهرمي السماوي هم الأكاليل المنيرة  لأبي العظمة والأيونات الإثني عشر ، "البكر" – شخصيات ملائكية مقسمة إلى مجموعات من ثلاثة أفراد، تحيط بالكائن الأسمى في الأرباع الأربعة للسماوات. ولأن الشيطان، أمير الظلام، يرغب بمزايا مملكة النور، ففي معركة تالية بين القوى السماوية تختلط قوى النور والظلمة، ويتم خلق عالم المادة والروح. وغير مدرك لطبيعته الروحية ومغويّاً باستمرار من قبل شياطين أمير الظلام، يُقاد الإنسان في النهاية إلى فهم طبيعته الحقيقية من خلال نشاط كائنات ملائكية تسمى أصدقاء الأنوار والروح الحية ومساعديه الخمسة: حامل الروعة ، ملك الشرف ، نور الإنسان ، ملك المجد ، والمؤيد.

العلاقة بمنظورات الكون الأحادي

ليس لدى أولئك الذين ينظرون إلى الكون على أنه أحادي في الأساس - مثل الهندوسية، الجانية، والبوذية - إيمان بالملائكة عمومًا، الذين يعملون بشكل أساسي ككاشفين عن الحقيقة. فيتم تنفيذ هذه الوظيفة من قبل كائنات أخرى، مثل الأفاتارات avatāras (تجسيدات الآلهة) في الهندوسية، التيرثانكارات tīrthaṅkaras (القديسين أو الأنبياء) في الجانية، أو البوذيساتفات (الذين سيكونون بوذايات) في البوذية. ولأنه عادة ما ينظر إلى مثل هذه الشخصيات من حيث أنها مُمثلات لحياة مقدسة أكثر من كونها قنوات للإلهام أو الوحي (إلا في حالة العديد من الأفاتارات والبوذيساتفات)، لا يجب النظر إليها بلغة المفاهيم الغربية [الزرداشتية والأديان الإبراهيمية ] النموذجية للكائنات الملائكية. هذه الأديان، مع ذلك، لديها معتقدات واسعة الانتشار بالشياطين.

الاعتقاد بالشياطين باعتباره مشتركاً بين كل المنظورات الدينية أو الأسطورية للكون:

الاعتقاد بالشياطين لا يرتبط بأي منظور معيّن للكون. فالشياطين لها دور جغرافي عريض جدّاً وتاريخي طويل جداً ككائنات روحية تؤثر على الإنسان في علاقته بالمقدّس أو القدوس. قد يكونون كائنات شبه بشرية، غير بشرية أو بشريّة شبحية والتي تحاول عموماً، لأسباب مختلفة، إجبار الإنسان على عدم تحقيق تطلعاته الروحية العليا أو عدم القيام بالأنشطة الضرورية لرفاهه في مسار الحياة العادية. ويبدو أن الشيطان الآشوري القديم رابيسو rabiṣu  هو نموذج بدئي تقليدي لكائن خارق للطبيعة يزرع مثل هذا الخوف عند البشر بحيث يقف شعر أجسادهم حرفيًا عندما يواجهون بمعرفة وجود رابيسو.

في أوروبا القرن 17 ، تم تصنيف العديد من الشياطين وفقاً لقواهم في إغواء البشر كي ينغمسوا في ما يسمى غرائزهم أو رغباتهم الأساسية. وشملت هذه القوائم شياطين الكابوس، الشياطين التي تشكلت من نطفة الجماع، والشياطين التي خدعت الأشخاص ليؤمنوا بأنهم يستطيعون القيام بعمليات نقل (رحلات ليلية إلى مواقع السبت، شعائر مزعومة للسحر). ووفقًا لبعض المراجع في القرن العشرين (بالإضافة إلى المنافحين عن العقيدة المسيحيين الأوائل)، فإن الشياطين المزعومة التي لاحظتها الأديان السائدة في العالم هي الآلهة أو الكائنات الروحية السابقة التي استسلمت أو قُهرت من قبل منظورات عقائدية مسيطرة لشعب غاز. وهكذا، فإن الآلهة التوتونية، السلافية، السلتية، أو الرومانية اختُزلت إلى مناهضين شيطانيين للمسيح، أو لقديسيه، أو ملائكته أو تم استيعابهم من قبل عبادات الشخصيات المقدّسة المسيحية. وغالبًا ما كان أتباع الآلهة القديمة التي لم يعد لها أدنى تأثير يتعرضون للاضطهاد باعتبارهم مدافعين عن السحر، خاصة في أوروبا المسيحية.

أنواع الملائكة والشياطين

الملائكة والشياطين، كما ذكرنا سابقاً، كان قد تم تصنيفها ككائنات خيرة أو حاقدة أو متناقضة أو محايدة تتوسط بين العوالم المقدسة والدنيوية.

كائنات خيرة

الكائنات الخيرة، وهي عادة ملائكة لكنها في بعض الأحيان أرواح الأسلاف أو كائنات روحية أخرى والتي كانت تسترضى بالقرابين أو بطقوس أخرى، إنما تساعد الإنسان في الوصول إلى علاقة مناسبة مع الله، الكائنات الروحية الأخرى، أو الأوضاع الحياتية للإنسان ذاته. فالملائكة، على سبيل المثال، لا تعمل فقط ككاشفين عن الحقائق الإلهية، بل يُعتقد أيضًا أنها فعالة في مساعدة الإنسان على الوصول إلى الخلاص أو النعم أو المحاباة الخاصة. وظيفتهم الأساسية هي التسبيح بحمد الله وخدمته والعمل بحسب إرادته. وهذا ينطبق على الملائكة في كل من المسيحية والزرادشتية، وكذلك في اليهودية والإسلام. كتمديدات وظيفية للإرادة الإلهية، فإن الملائكة تتدخل في بعض الأحيان في الشؤون الإنسانية من خلال مكافأة المؤمنين ومعاقبة الظالمين أو عبر إنقاذ الضعفاء، الذين هم بحاجة إلى المساعدة، والقضاء على الأشرار، الذين يضطهدون دونما عدالة زملائهم من المخلوقات. في سفر طوبيا الذي هو من حقبة من حقبة ما بين العهدين (سفر أبوكريفي، أو "مخفي"، والذي هو غير مقبول كقانوني من اليهود والبروتستانت)، فإن أحد رؤساء الملائكة المدعو رافائيل[3] (الله يشفي)، على سبيل المثال ، يساعد البطل طوبيت، ابن طوبيا، في رحلة ويكشف له أيضاً الصيغ السحرية لعلاج العمى عند والده ومواجهة قوة الشيطان أزموداوس Asmodeus[4].

لقد وصفت الملائكة أيضاً كمشاركين في خلق الكون واستمراريته من لدن العناية الإلهية. وقد صرّح اقليمنضس السكندري، متأثراً بعلم الكون الهلينستي، بأنها تعمل كمحركات للنجوم وتسيطر على العناصر الأربعة - الأرض والهواء والنار والماء. يُعتقد أن العديد من الملائكة هم أوصياء على الأفراد والأمم. وكان الرأي القائل إن هناك ملائكة حراس يراقبون الأطفال اعتقاداً هامّاً في التقوى الشعبية للكاثوليكية الرومانية. وتعتبر الملائكة أيضاً موصلات لأنفس الموتى إلى العالم ما فوق الأرضي. وفي عملية إنجاب البشر، يُعتقد أن الملائكة يؤدون خدمات مختلفة. وهذا ملحوظ بشكل خاص في حالات الملائكة التي تعلن عن ولادة شخصيات إلهية أو شخصيات دينية خاصة، مثل يسوع ويوحنا المعمدان في العهد الجديد.

على الرغم من أن وظيفة الملائكة ذات أهمية أساسية، إلا أنّ التفكير اللاهوتي والورع الشعبي ركّزا كثيراً على طبيعة الملائكة. في اليهودية المبكرة تم تصور الملائكة ككائنات بشكل إنساني: الملاك الذي صارع الأب يعقوب، كما هو مسجل في سفر التكوين[5]، كان على شكل رجل. في يهودية الحقبة الهلنستية (من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي)، كان يُنظر إلى الملائكة على أنهم كائنات روحية غير جسدية ظهرت للإنسان على هيئة شبح. لقد تم التأكيد على طبيعتهم الروحية من قبل ذلك على يد أنبياء العهد القديم، مثل حزقيال وإشعياء، في أوصافهم الرؤيوية. يوصف الكروبيم والسيرافيم، وهما منظومتا ملائكة فائقتان، بالمخلوقات المجنحة التي تحرس عرش الله. ويرمز استخدام الأجنحة الملحقة بالكائنات المختلفة إلى طبيعتها غير المرئية والروحية، عرف يمكن تقصّي آثاره عند المصريين القدماء، الذين مثلوا إله الشمس المقاتل حورس الذي من إدفو كقرص مجنح. في علم الأيقونات المسيحي، كانت الطبيعة الروحية للملائكة ممثلة بشكل شبه عام - حتى القرن العشرين - بشخصيات بشرية مجنحة. أدت روحانيتهم، نتيجة لذلك، وعدم ماديتهم، إلى أنواع مختلفة من التأملات بين اللاهوتيين وعامة الناس حول طبيعة مظاهر الملائكة، التي تم تدوينها  في كل من الكتاب المقدس والأساطير القائمة على التقوى الشعبية. لكن بعض اللاهوتيين، مثل أوغسطينوس في القرنين الرابع والخامس، ذكروا أن الملائكة، الذين لديهم أجسام أثيري، قد يكونون قادرين على انتحال أجسام مادية. هذه المشكلة، مع ذلك، لم تُحلّ على نحو يرضي اللاهوتيين اللاحقين.

الكائنات الخبيثة

الكائنات الخبيثة - الشياطين، الملائكة الساقطون، الأشباح، العفاريت، الأرواح الشريرة في الطبيعة، المخلوقات الهجينة، دايفات الزرادشتية، ناركات nārakas (مخلوقات الجحيم) الجانية، أوني (مرافقو آلهة العالم السفلي) في الأديان اليابانية ، والكائنات الأخرى المماثلة - تعيق الإنسان عن تحقيق علاقة ملائمة مع الله، بالمجال الروحي، أو بحالات الإنسان الحياتية. ويعتقد أن بعض الملائكة قد سقطوا من موقع قريب من الله - مثل لوسيفر (الذي أطلق عليه بعد سقوطه الاسم شيطان من قبل آباء الكنيسة الأوائل) في اليهودية والمسيحية والإسلام - بسبب الكبرياء أو لمحاولات الاستيلاء على موقع الكائن الأسمى. في حالتهم الساقطة نجدهم من ثم يحاولون منع الإنسان من الوصول إلى علاقة صحيحة مع الله من خلال تحريض البشر على الخطيئة. لقد عزا بعض العلماء شياطين القرون الوسطى إلى تسلسل هرمي مكوّن من سبعة رؤساء شياطين الخطايا السبع المميتة: لوسيفر (الغرور)؛ مامّون (البخل)؛ أزموداوس (الفسق)؛ الشيطان (الغضب)؛ بعلزبوب (الشراهة)؛ لوياتان (الحسد)؛ وبعل فغور (الكسل). وإلى جانب إغراء البشر بالخطيئة، يعتقد أن الملائكة الساقطين أو الشياطين يتسببون في أنواع مختلفة من الكوارث الطبيعية والتصادفية. ومثل الشياطين والأرواح الشريرة للطبيعة في الأديان البدائية، كان يُنظر إلى الملائكة الساقطين على أنهم عوامل المجاعة، المرض، الحرب، الزلازل، الوفيات العرضية، الاضطرابات العقلية أو العاطفية المختلفة. واعتبر الأشخاص المصابون بأمراض عقلية بأنهم "ممتلكون من قبل الشيطان".

على الرغم من أن وظائف الشخصيات الشيطانية، مثل وظائف الملائكة الساقطين، لها أهمية كبيرة، إلا أن طبيعة الشياطين كانت مصدر اهتمام  بالنسبة للاهوتيين والأشخاص المشبعين بالورع الشعبي. ومثل الملائكة، تعتبر الشياطين كائنات روحية، غير ماديّة، لكن تم تصويرها في الأيقونات الدينية كمخلوقات هجينة ذات خصائص مرعبة أو كرسوم كاريكاتيرية للأوثان التي تخص ديانة معارضة. في الكنيسة الأولى، على سبيل المثال، كان هناك اعتقاد بأن الأصنام الوثنية كانت مأهولة بالشياطين[6]. وتم تمثيل الجوانب المروعة من الشياطين في النقوش الخشبية لفنانين من العصور الوسطى وعصر الإصلاح وفي أقنعة الشامان، رجال الطب، وكهنة الديانات البدائية - إما لإخافة المؤمن كي يتصرف وفقاً للمعايير المقبولة أو للدرء طقسيّاً لسلطة القوات الشيطانية الحرّة في العالم الأرضي أو الدنيوي.

كائنات متناقضة أو محايدة

عادة ما لا توجد كائنات روحية متناقضة أو محايدة في الديانات الغربية، والتي عادة ما تقسم سكان الكون إلى أولئك الذين هم إما متحالفون مع الكائن الأسمى أو ضده. إلا أن الإسلام يصنف الكائنات الروحية إلى الملائكة، الشياطين، والجن. وتشمل هذه الفئة الأخيرة كائنات روحية قد تكون خيّرة أو شريرة. ووفقاً للأسطورة، تم خلق الجن من النار قبل خلق آدم، الإنسان الأول، بألفي عام. وبقدرتها على أن تكون مرئية وغير مرئية، فقد كان باستطاعة الجن أن ينتحلوا أشكالاً مختلفة - إما حيوانية أو بشرية – وكان باستطاعتها أن تكون إما مساعدة أو معيقة للإنسان. ومن خلال المكر، استخدام فائق للفكر، أو السحر، قد يكون الإنسان قادراً على التلاعب بالجن  لمصلحته الخاصة.

إن العديد من الأرواح الطبيعية الثانوية - مثل أرواح الماء، النار، الجبال، الرياح، وغيرها من الأرواح المعترف بها في الأديان البدائية - هي محايدة بشكل عام، لكن من أجل الحفاظ عليها بهذه الطريقة أو لجعلها مفيدة للإنسان، فإن قرابين وطقوس مناسبة يجب أن يتم القيام بها.

استنتاج

على الرغم من أن الاعتقادات التقليدية بالملائكة والشياطين كانت موضع تساؤل بين تلك الثقافات المتأثرة بالعلوم والتكنولوجيا الغربية، فإن إعادة تفسير هذه المعتقدات، تحت تأثير الدراسات النفسية ودراسة الأسطورة في تاريخ الأديان، كانت ذات أهمية للتفكير اللاهوتي. ومن خلال النظر إلى الملائكة والشياطين من الناحية الوظيفية، وليس من حيث طبيعتهم، قد يكتشف الإنسان الحديث أن لديه صلة أكبر مما كان يدركه بشكل عام مع أناس من ثقافات سابقة أو مختلفة في محاولته للحصول على علاقة مفيدة مع العوالم المتسامية، الاجتماعية، النفسية التي يواجهها في الحياة اليومية.

 



[1] ) Beekes, R. S. P., Etymological Dictionary of Greek, Brill, 2009, p. 9..

[2] ) اي 1-6: وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضَاً فِي وَسَطِهِمْ. اي 1-7: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟” فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: “مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا”. اي 1-8: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ”. اي 1-9: فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: “هَلْ مَجَّاناً يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ اي 1-10: أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ! اي 1-11:   وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ”. اي 1-12:      فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ”. ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ. اي 2-1: وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضاً فِي وَسَطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ. اي 2-2: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟” فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: “مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا”. اي 2-3: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ! رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ”. اي 2-4: فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: “جِلْدٌ بِجِلْدٍ وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. اي 2-5: وَلَكِنِ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ”. اي 2-6: فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: “هَا هُوَ فِي يَدِكَ وَلَكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ”. اي 2-7:     فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. اي 2-8: فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ. اي 2-9: فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: “أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ! جَدِّفْ عَلَى اللهِ وَمُتْ!”

اي 2-10: فَقَالَ لَهَا: “تَتَكَلَّمِينَ كَلاَماً كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟” فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ.

[3] ) طو 3-17: فأُرسِلَ رافائيلُ لِيَشْفِيَ كِلا الِاثْنَينِ، لِيُزيلَ البُقَعَ البَيضاءَ عن عَينَي طوبيت فيَرى بِعَينَيه نورَ الله، وليُعطِيَ سارةَ آبنَةَ رَعوئيلَ زَوجةً لِطوبِيَّا بنِ طوبيت ويَطرُدَ عَنها أَزْموداوُسَ الشَّيطانَ الخَبيث. فمِن حَقِّ طوبِيَّا أَن تَكونَ لَه قَبلَ جَميعِ الَّذينَ يُريدونَ أَن يتَّخِذوها. في ذلكَ الحين، عادَ طوبيتُ من ساحةِ دارِه إِلى بَيتِه، وأَمَّا سارةُ ابنَةُ رَعوئيل فنَزَلَت مِنَ العُلية. طو 5-4: فخرجَ طوبِيَّا بَبحَثُ عن رَجُل يُرافِقُه إلى ميدِيا وَيعرِفُ الطَّريق. وعِندَ خُروجِه وَجَدَ المَلاكَ رافائيلَ واقِفاً أَمامَه، ولَم يَعلَمْ بِأَنَّه مَلاكٌ مِن مَلائِكةِ الله. طو 6-11: قالَ رافائيلُ لِلصَّبِيّ: “ يا طوبِيَّا أَخي “. قالَ لَه: “ هاءَنذا “. قالَ لَه: علَينا ان نَبيتَ هذه اللَّيلةَ في مَنزِلِ رَعوئيل، وهو رَجُلٌ مِن قَرابتِكَ ولَه آبنَةٌ آسمُها سارة،طو 6-14: فأَجابَ طوبِيَّا وقالَ لِرافائيل: “ يا عَزَرْيا أَخي، سَمِعتُ أَنَّه قد عُقِدَ لها على سَبعةِ رِجالٍ فماتوا في غُرفةِ العُرْس، وكانوا يَموتونَ لَيلةَ دُخولهِم علَيها. وسَمِعتُ أَيضاً مَن يَقولُ إِنَّ شَيطاناً كانَ يَقتُلُهم،طو 6-19: ولَمَّا سَمِعَ طوبِيَّا كَلامَ رافائيل وعَلِمَ بِأَنَّ سارَةَ هي أُختٌ لَه مِن نَسْلِ أَبيه، أَحبَّها حُبّاً شَديداً وعَلِقَ بِها قَلبُه. طو 7-9:   ثُمَّ ذَبَحَ كَبْشاً مِنَ القَطيع وآستَقبَلَهُما آستِقْبالاً حارّاً. وبَعدَ أَنِ آغتَسَلوا وآستَحَمُّوا وجَلَسوا لِلطَّعام، قالَ طوبِيَّا لِرافائيل: “ يا عَزَرْيا أَخي، سَلْ رَعوئيلَ أَن يَزُفُّ إِلَيَّ سارةَ أُختي “. طو 8-2: وذَكَرَ طوبِيَّا كَلامَ رافائيل فأَخرَجَ مِن كيسِه كَبِدَ الحوتِ وقَلْبَه ووَضَعَهما على جَمْرِ المِبْخَرة. طو 8-3:       فرَدَّت رائِحةُ الحوتِ الشَّيطانَ فهَرَبَ في الجَوِّ إِلى نواحي مِصْر. فمَضى رافائيلُ في إثْرِه وشَكَلَه هُناكَ وأَوثَقَه مِن ساعتِه. طو 9-1: ودَعا طوبِيَّا رافائيلَ طو 9-5: وأَنتَ شاهِدٌ لِلقَسَمِ الَّذي أَقسَمَه رَعوئيل، ولا أستَطيعُ أَن أَتجاهَلَ يَمينَه “. فسافَرَ رافائيلُ إِلى راجيسِ ميدِيا ومعه الخُدَّامُ الأَربَعةُ والجَمَلان، وباتوا عِندَ جَبَعْئيل. ثُمَّ سَلَّمَ إلَيه الصَّكَّ وأَخبَرَه بِأَنَّ طوبِيَّا بنَ طوبيتَ قد تَزَوَّجَ وبأَنَّه يَدْعوه إِلى العُرْس. فقامَ وعَدَّ لَهُ أَكياسَ مَخْتومةً وحَمَّلوها على الجَمَلين. طو 11-2: قالَ رافائيل: “ أَنتَ تَعلَمُ كَيفَ تَرَكْنا أَباكَ. طو 11-3: فلنسبِقِ آمرأَتَكَ لِنُعِدَّ البَيت، رَيثَما يَصِلُ الآخَرون “. طو 11-4:      فسارا كِلاهُما معاً ( وكان رافائيلُ قد أَوصى طوبِيَّا بِأَن يأخُذَ المَرارة)، والكَلْبُ يَتبَعُهما. طو 11-7: وقالَ رافائيلُ لِطوبِيَّا قَبلَ أَن يَصيرَ بِالقُرْبِ مِن أَبيه: “ إِنِّي أَعلَمُ بِأَنَّ عَينَيه ستَنفَتِحان.

طو 12-6:            حينئذٍ آنفَرَدَ بِهِمَا رافائيلُ فقالَ لَهما: “ بارِكا اللهَ وسَبِّحاه أَمامَ جَميعِ الأَحياءَ لِكُلِّ ما أَحسَنَ بِه اليكُما. بارِكا وعَظِّما آسمَه. أَخبِرا جَميعَ النَّاسِ بِأَعْمالِ اللهِ بما يَجِبُ مِنَ الإِكْرام، ولا تَتَوانَيا في تَسْبيحِه. طو 12-15:      أَنا رافائيل، أَحَدُ المَلائِكةِ السَّبعةِ الواقِفينَ والدَّاخِلينَ في حَضرَةِ مَجْدِ الرَب “.

[4] ) لقد لاحظنا من قبل أن طوبيا يشير إلى أزموداوس، الشَّيطانُ الخَبيث، ورد اسمه غير مرّة في سفر طوبيا. لكن هذا السفر لا يعتبره اليهود – ولا البروتستانت – قانونياً.

في الأسفار القانونية يهودياً لا نجد الاسم الكامل "أشميداي"، لكن في سفر الملوك الثاني، 30:17: ["فعَمِلَ أهلُ بابِلَ سُكُّوتَ بَنوت، وأَهلُ كوتَ عَمِلوا نَرْجال، وأهلُ حَماةَ عَمِلوا أشيما، וְאַנְשֵׁ֣י בָבֶ֗ל עָשׂוּ֙ אֶת־סֻכֹּ֣ות בְּנֹ֔ות וְאַנְשֵׁי־כ֔וּת עָשׂ֖וּ אֶת־נֵֽרְגַ֑ל וְאַנְשֵׁ֥י חֲמָ֖ת עָשׂ֥וּ אֶת־אֲשִׁימָֽא"] ، نجد أن أشيما يظهر كإله مزيف والذي صنع له أهل حماة السوريون صنماً. ليس فقط أن هذا الاسم يشبه كثيراً الديفا الفارسي أيشما، بل أيضاً فإن الاسم أشيما אֲשִׁימָֽא يشبه للغاية الاسم أشمداي אַשְמְדּאָי باللغة العبرية.

إن أزموداوس في سفر طوبيا هو معاد لسارة، ابنة رعوئيل (طوبيا 13:6: إِسْمَعْ لي، يا أَخي، فإِني سأُكلِّمُ الأَبَ عنِ آبنَتِه مُنذُ هذه اللَّيلة لِكَي تتخِذَها لكَ خَطيبة، ومتى عُدْنا مِن راجيس نُقيمُ عُرسَها. وأَنا عالِمٌ بِأَنَّ رَعوئيلَ لا يَستَطيعُ أَن يَمنَعَكَ إيَّاها ولا أَن يَخطُبَها الى رَجُلٍ آخَر، وإِلاَّ آستَحَقَّ المَوتَ بحَسَبِ حُكْمِ كِتابِ موسى، لِعِلْمِه بِأَنَّه مِن حَقِّكَ قَبلَ أَيِّ رَجُلٍ آخَر أَن تتَزوَّجَ آبنَتَه. فآسمَعْ لي، يا أَخي، ففي هذه اللَّيلةِ نتكَلَّمُ في شَأنِ الفَتاة ونطلُبُها لَكَ. ومتى عُدْنا مِن راجيس نأخُذُها ونَذهَبُ بِها معَنا إِلى بَييكَ “؛ ويقتل سبعة من الأزواج المتعاقبين ليلة الزفاف، مما يعيق الإتمام الجنسي للزواج. إنه يوصف بأنه "أسوأ الشياطين". وعندما يكون الشاب طوبيت على وشك الزواج منها، يقترح أزموداوس المصير نفسه بالنسبة له، لكن طوبيت يتم تمكينه، من خلال مشورة مرافقه رافائيل، ليجعله غير ضار. ومن خلال وضع قلب وكبد سمكة على جمر المبخرة، ينتج طوبيت بخاراً مدخناً يتسبب في هروب الشيطان إلى مصر، حيث يقوم رافاييل بربطه (طوبيا 8: 2-3: طو 8-2: وذَكَرَ طوبِيَّا كَلامَ رافائيل فأَخرَجَ مِن كيسِه كَبِدَ الحوتِ وقَلْبَه ووَضَعَهما على جَمْرِ المِبْخَرة. طو 8-3:            فرَدَّت رائِحةُ الحوتِ الشَّيطانَ فهَرَبَ في الجَوِّ إِلى نواحي مِصْر. فمَضى رافائيلُ في إثْرِه وشَكَلَه هُناكَ وأَوثَقَه مِن ساعتِه.). ووفقاً لبعض الترجمات يتم خنق أزموداوس.

 

[5] ) تك 32-23: وقامَ في تِلكَ اللَّيلَة فأَخَذَ اَمرَأَتَيه وخادِمَتَيه وبَنيه الأَحَدَ عَشَر فعَبَرَ مَخاضَةَ يَبُّوق. تك 32-24: أَخَذَهم وعَبَّرَهمُ الوادي وعَبَّرَ ما كانَ لَه. تك 32-25: وبَقِيَ يَعْقوبُ وَحدَه. تك 32-26: فصارَعَه رَجُلٌ إِلى طُلوعِ الفَجْر. ورأَى أَنَّه لا يَقدِرُ علَيه، فلَمَسَ حُقَّ وَرِكِه، فآنخَلَعَ حُقُّ وَرِكِ يَعْقوبَ في مُصارَعَتِه لَه. تك 32-27: وقال: “ اِصرِفْني، لأَنَّه قد طَلَعَ الفَجْر “. فقالَ يَعْقوب: “ لا أَصرِفُكَ أَو تُبارِكَني “. تك 32-28: فقالَ له: “ ما اَسمُكَ؟ “ قالَ: “ يَعْقوب “. تك 32-29: قال: “ لا يَكونُ آسمُكَ يَعْقوبَ فيما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ “. تك 32-30:وسأَلَه يَعْقوبُ قال: “عَرِّفْني اَسمَكَ “. فقال: “ لِمَ سُؤَالُكَ عنِ اَسْمي؟ “، بارَكَه هناك. تك 32-31: وسمَّى يَعْقوبُ المَكانَ فَنوئيلَ قائِلاً: “ إِنِّي رأَيتُ اللهَ وَجْهاً إِلى وَجْه، ونَجَت نَفْسي “. تك 32-32: وأَشرَقَت لَه الشَّمسُ عِندَ عُبورِه فَنوئيل، وهو يَعرُجُ مِن وَرِكِه. تك 32-33: ولِذلِك لا يَأكُلُ بَنو إسْرائيلَ عِرْقَ النَّسا الَّذي في حُقِّ الوَرِكِ إِلى هذا اليَوم، لأَنَّه لَمَسَ حُقَّ وَرِكِ يَعْقوبَ على عِرْقِ النَّسا.

[6] ) في عدو المسيح، الفقرة 17، يقول نيتشه: حيثما تنهار إرادة القوّة بأيّ شكل يتواجد أيضاً في كلّ مرّة انحطاط فيزيولوجي، تفسّخ. يصبح اله التفسّخ، المقلّم من أقوى دوافعه وفضائله كلّها، منذ ذلك الحين فصاعداً، بالضرورة، اله الضعفاء والمعاقين فيزيولوجيّاً. لا يسمّون أنفسهم ضعفاء، يسمّون أنفسهم « الخيّرين »...وسوف يفهم المرء دون مزيد من الشرح في أيّة لحظة من التاريخ كان ممكناً للقصّة الثنويّة لإله خير وشرّ أن توجد للمرّة الأولى. فالغريزة التي تجعل الشعب المُخضع يختصر إلهه الى « الخير في ذاته » هي ذاتها التي تجعله يشطب الصفات الخيّرة من إله قاهريه؛ يثأر لذاته من سادته بتحويل إله سادته الى شيطان.-الإله الخيّر والشيطان: كلاهما نتاج للتفسّخ. كيف يستطيع المرء أن يبقى مذعناً لسذاجة اللاهوتيين المسيحيين بحيث يشاركهم الرأي في قول إن تحوّل مفهوم الإله من « إله اسرائيل »، الإله القومي، الى الإله المسيحي، خلاصة كلّ ما هو خيّر، يعتبر تقدّماً.

Who's Online

32 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مييزة تاريخ الملائكة